وقوله تعالى: ﴿ بالعدل ﴾ أي بالحق. وقال ابن عباس والربيع ومقاتل: (فليملل ولي الحق) وهو صاحب الدين؛ لأنه أعلم بدينه يمل بالعدل والصدق والحق والإنصاف.
قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ يعني أشهدوا على الحق شهيدين من الأحرار البالغين دون الكفار والعبيد والصبيان، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأكثر الفقهاء. وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد، وأجاز بعضهم شهادتهم في الشيء التافه.
قوله تعالى: ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴾؛ الآية، أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين فليكن رجل وامرأتان. قوله: ﴿ ممن ترضون من الشهدآء ﴾؛ أي ممن ترضون عدالته وأمانته. والمرضي: من يجتمع فيه ثلاثة أشياء:
أحدها: العدالة، وأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله من الواجبات والمسنونات وصدق " الحديث " وأداء الأمانة.
والثاني: نفي التهمة؛ نحو أن لا يكون المشهود له ولدا ولا والدا ولا زوجة ولا زوجا، فإن شهادة هؤلاء غير مقبولة لما ذكرنا، وإن كانوا عدولا مرضيين.
الثالث: التيقظ وقلة الغفلة وأن لا يكون كثير الغلط.
قال النخعي: (الرجل العدل: هو من لم يظهر فيه ريبة. وقال الشعبي: (هو من لا يطعن عليه في بطن ولا فرج). وقال الحسن: (هو من لم يعلم له خيانة).
وقال صلى الله عليه وسلم:
" لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة؛ ولا مجلود؛ ولا ذي حقد على أخيه؛ ولا من جرت عليه شهادة زور؛ ولا الخادم مع أهل البيت "
وعن ابن عباس قال:
" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة؟ فقال: " أترى هذه الشمس؟ " فقال: نعم، قال: " على مثلها فاشهد أو دع " ".
قوله تعالى: ﴿ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴾؛ معناه: أن تذكر الذاكرة الناسية إن نسيت، ومعنى تضل: تنسى، كقوله تعالى:
قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين
[الشعراء: 20]. وقوله تعالى: ﴿ فتذكر ﴾ معطوف على ﴿ تضل ﴾. وقرأ الأعمش: (إن تضل) بكسر الهمزة (فتذكر) بالرفع. ومعناه: الخبر أو الابتداء. وموضع ﴿ تضل ﴾ جزم بالجزاء، إلا أنه لا تبين فيه للتضعيف، (فتذكر) رفعا؛ لأن ما بعد (فاء) الخبر مبتدأ. وقيل في تفسير الآية: إن امتنعت إحدى المرأتين عن أداء الشهادة تعظها الأخرى حتى تشهد.
ومن قرأ (فتذكر) بالتخفيف فالإذكار والتذكير بمعنى واحد. وقيل في معنى التحقيق: تجعلها ذكرا؛ أي يقومان مقام رجل. قرأ زيد بن أسلم: (فتذاكر إحداهما الأخرى) من المذاكرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فتذكر) بالتخفيف. وقرأ الباقون (فتذكر) بالتشديد.
قوله تعالى: ﴿ ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ﴾؛ أي لا يمتنعوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة عند الحكام، وهذا قول مجاهد وعطاء وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي. وقال بعضهم: هذا في تحمل الشهادة؛ وهو أمر إيجاب أيضا.
قال قتادة: (كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم؛ فيدعوهم إلى الشهادة؛ فلا يتبعه أحد منهم؛ فأنزل الله هذه الآية).
وقال الشعبي: (هو مخير في تحمل الشهادة إذا وجد غيره، فإذا لم يوجد غيره وجب عليه التحمل). وقال بعضهم: هذا أمر ندب؛ وهو مخير في جميع الأحوال، وهو قول عطاء. وقال المغيرة: (قلت لإبراهيم: إني أدعى إلى الشهادة؛ وإني أخاف أن أنسى، قال: فلا تحمل إن شئت). وقال الحسن: (هذه الآية في التحمل والإقامة إذا كان فارغا).
قوله تعالى: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ﴾؛ أي لا تملوا أن تكتبوا الحق قليلا كان أو كثيرا إلى محله، يقال: سأمت أسأم سئامة؛ إذا مللت، قال زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وقال لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
و (أن) في موضع نصب من وجهين؛ إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا؛ وأوقعت السئامة عليه؛ تقديره: ولا تسأموا كتابته. وإن شئت نصبه بنزع الخافض، و(الهاء) راجعة إلى الحق؛ أي ولا تسأموا من أن تكتبوه.