تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ مختلفة أجناسها وطباعها ليكون أبلغ في القدرة، وخص الطير من سائر الحيوان لخاصية الطيران. واختلفوا في تلك الأربعة من الطيور؛ فقال ابن عباس: (أخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا). وقال مجاهد وابن جريج: (أخذ غرابا وديكا وطاووسا وحمامة). وعن أبي هريرة: (أنه أخذ الطاووس والديك والغرنوق والحمامة). وقال عطاء: (أخذ قطاة خضرا وغرابا أسودا وحمامة بيضاء وديكا أحمر).

قوله تعالى: ﴿ فصرهن إليك ﴾ قرأ علي رضي الله عنه وأبو الأسود والحسن وعكرمة والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: (فصرهن) بضم الصاد، معناه: أملهن إليك. يقال: صرت الشيء أصوره؛ أي أملته. ويقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. ويقال: إني إليكم لأصور؛ أي لمائل مشتاق، وامرأة صوراء أي مشتاقة مائلة. قال الشاعر:

الله يعلم أنا في تلفتنا

يوم الفراق إلى جيراننا صور

وقال عطاء والمورج وعطية: (معنى ﴿ فصرهن ﴾ أي اجمعهن واضممهن إليك). يقال: صار يصور صورا إذا جمع. قال أبو عبيد وابن الأنباري: (معنى ﴿ فصرهن ﴾ أي قطعهن ومزقهن، يقال: صار يصير صيرا إذا قطع؛ وانصار الشيء ينصار انصيارا إذا انقطع). وأنشد بعضهم بيتا في اللغز:

وغلام رأيته صار كلبا

ثم في ساعتين صار غزالا

أي قطع.

وقرأ علقمة وسعيد بن جبير وقتادة ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف: (فصرهن) بكسر الصاد، معناه قطعهن. قال أبو العباس السراج: (هما لغتان للعرب). وعن ابن عباس روايتان؛ إحداهما: (فصرهن) مفتوحة الصاد مشددة الراء مكسورة من التصرية وهي الجمع ومنه المصراة. والأخرى: (فصرهن) بضم الصاد وفتح الراء والتشديد من الصر وهي في معنى الجمع.

فمن تأوله على القطع والتمزيق ففيه تقديم وتأخير، تقديره: فخذ أربعة من الطير إليك، فصرهن. ومن تأوله على الضم والإمالة؛ ففيه إضمار معناه: فصرهن إليك ثم قطعهن، فحذفه واكتفى بقوله: ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ﴾ لأنه يدل عليه، وهذا كما قال: خذ هذا الثوب واجعل منه على كل رمح علما.

قوله تعالى: ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ﴾ لفظه عام ومعناه خاص؛ لأن ﴿ أربعة من الطير ﴾ لا تبلغ الجبال كلها، ولا كان إبراهيم يصل إلى ذلك، وهذا كقوله تعالى:

وأوتيت من كل شيء

[النمل: 23] وقوله:

تدمر كل شيء

[الأحقاف: 25]. وقوله: ﴿ جزءا ﴾ قرئ برفع الزاء مثقل بالهمزة مخففا وهي لغات.

وقال المفسرون: أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض، ففعل إبراهيم ذلك، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال.

واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ابن عباس وقتادة والربيع: (أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ثم يعمد إلى أربعة أجبل، فيجعل على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يدعوهن: تعالين بإذن الله). وهذا مثل ضربه الله لإبراهيم وأراه إياه، يقول: كما بعثت الطيور من هذه الجبال الأربعة يبعث الناس يوم القيامة من بقاع الأرض ونواحيها.

وقال ابن جريج والسدي: (جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبال، وأمسك رؤوسهن عنده ثم دعاهن: تعالين بإذن الله، فجعل الريش كل ريشة تطير إلى الأخرى، وكل قطرة من الدم تطير إلى الأخرى، وكل عظم يطير إلى الآخر، وكل قطعة تطير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر حتى التقت كل جثة بعضها إلى بعض حتى سواهن الله تعالى. ثم جئن يسعين على أرجلهن بغير رؤوس، فعلق عليهن إبراهيم رؤوسهن).

واختلفوا في معنى السعي؛ قال بعضهم: هو الإسراع في المشي. وقال بعضهم: مشيا على أرجلهن. والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجة وأبعد من الشبهة؛ لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور، أو أن أرجلها غير سليمة.

التفسير الكبير · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٠٥