تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأخذه داود وجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ثم قال له: أنجزني ما وعدتني وأعطني امرأتي، فقال له طالوت: أتريد ابنة الملك بغير صداق، قال: ما شرطت علي صداقا، وليس لي شيء. فزوجه ابنته، وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه فقال له وزير: إن دفعت إليه ذلك نازعك في الملك وأفسد عليك ملكك، فامتنع طالوت من ذلك وقصد قتله، فهرب داود عليه السلام فندم طالوت فخرج في طلبه حتى أتى على امرأة من قدماء بني إسرائيل وهو يبكي على داود، فضرب بابها؛ فقالت: من هذا؟ قال: أنا طالوت، قالت: أنت أشقى الناس؛ طردت داود وقد قتل جالوت وهزم جنوده، قال: إنما أتيتك لأسألك ما توبتي؟ قالت: توبتك أن تأتي مدينة كذا وتقاتل أهلها، فإن فتحتها فهي توبتك، وإن قتلت فهي عقوبتك.

فانطلق طالوت إلى تلك المدينة فقاتل أهلها حتى قتل. فاجمع بنو إسرائيل فملكوا داود عليه السلام من بعده. فذلك قوله تعالى: ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾؛ أي جمع له بين الملك والنبوة. والحكمة هي النبوة، ولم يجتمع كلاهما لأحد إلا لداود وسليمان عليهم السلام. قوله عز وجل: ﴿ وعلمه مما يشآء ﴾؛ أي علمه الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من العلوم، ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾؛ أي ولولا دفع الله بأس المشركين بالغزاة والمجاهدين كما دفع بداود شر جالوت لفسدت الأرض بأهلها لغلبة الكفار. وقيل: معناه: لولا الأنبياء صلوات الله عليهم الداعون إلى سبيله الناهون عن الفساد؛ لفسدت أحوال الناس.

روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" يقول الله تعالى: لولا رجال ركع؛ وصبيان رضع وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صبا "

وقال الحسن: (يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، ولولا السلاطين والأمراء المسلطون على العيارين والدعارة لخرجوا على أهل الصلاح فاستولوا عليهم).

قوله تعالى: ﴿ ولولا دفع الله ﴾ من قرأ (دفاع) فهو من قولهم: دافع مدافعة ودفاعا؛ والدفع: الصرف. ﴿ ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾؛ ذو من عليهم يدفع المفسدين عن المصلحين.

التفسير الكبير · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٩٨