قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
[التوبة: 29]؛ لأنها نزلت بعد حظر القتال في الشهر.
فإن قيل: إذا كان نفس الارتداد يحبط العمل حتى يبطل حجة الذي أداه، فأين فائدة قوله: ﴿ فيمت وهو كافر ﴾؟ قيل: إنما ذكر الله تعالى في هذه الآية أمر الآخرة لا أمرا يرجع إلى إحباط عمله في الماضي؛ إذ المعلوم من حال المرتد أنه إذا عاد إلى الإسلام والتوبة والعمل الصالح ومات على ذلك لا يعاقب في الآخرة، فلما جمع الله في هذه الآية بين إحباط عمله فيما يتصل بالدنيا والآخرة حتى يزول ثوابه إلى العقاب الدائم، كذلك شرط موته على الكفر.
روي في التفسير: أنه لما نزلت هذه الآية قام عبدالله بن جحش وأصحابه؛ فقالوا: يا رسول الله، أنطمع من ربنا أن تكون لنا هذه غزوة في الجهاد، فنزل قوله تعالى: ﴿ إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ﴾؛ معناه أن الذين صدقوا وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في محاربة المشركين في طاعة الله تعالى أهل هذه الصفة، يعطون مغفرة الله تعالى وجنته، ﴿ والله غفور ﴾ لما كان منهم من القتال والأسر وأخذ الغنيمة في الشهر الحرام، ﴿ رحيم ﴾ بهم حين رفع إثم ذلك عنهم.
والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وفي هذا الموضع هجران الموطن والعشيرة في رضا الله تعالى، والهجر نقيض الوصل، وأطلق اللفظ في هذه الآية على المفاعلة، ويزاد ما ذكرناه؛ ونظيره المساعدة: وهي ضم الرجل ساعده إلى ساعد أخيه بالتقوية والمعونة. وأما المجاهدة: فهي بذل الرجل الجهد من نفسه مع إخوانه، ويجوز أن يراد بذلك أن يبذل الجهد في قتال عدوه، وقد فعل العدو مثل فعله، فيصير مفاعلة.
وإنما قال الله تعالى: ﴿ أولئك يرجون رحمت الله ﴾ لأن أحدا لا يعلم أنه صابر إلى أن يبلغ في الطاعة كل مبلغ؛ إلا بخبر الله تعالى أو بخبر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يدري لعله قصر في شيء من الواجبات، وما يدري ما الذي يكون منه وما بينه وبين موته، ولا يعلم أحد من المسلمين بما يختم له، ختم الله لنا بالسعادة والشهادة.