تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل: معناه: ﴿ والله يرزق من يشآء ﴾ من الكفار وغيرهم ﴿ بغير حساب ﴾ أي بغير مقدار لا يعرف حسابه.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" يقول الله عز وجل: لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حرير ولصبيت الدنيا عليه صبا "

ومصداق ذلك قوله تعالى:

ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون

[الزخرف: 33]. وقال صلى الله عليه وسلم:

" لو أن الدنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ".

وعن قطرب: في قوله تعالى: ﴿ والله يرزق من يشآء بغير حساب ﴾: (أي أن الله يعطي العدد المتناهي لا من عدد أكثر منه كما يفعله العباد، ولكن يعطي المتناهي من غير المتناهي). فإن قيل: أليس الله تعالى قال في آية أخرى:

جزآء من ربك عطآء حسابا

[النبأ: 36] فكيف قال في هذه الآية ﴿ بغير حساب ﴾؟ قيل: العطاء من جهة الله عز وجل على ضربين؛ أحدهما: ثواب، والآخر: تفضل، فما كان ثوابا كان له حساب؛ لأنه يكون على قدر الاستحقاق بالعمل.

وأما التفضل فلا يكون له حساب كما قال تعالى:

ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله

[فاطر: 30]. والمراد بقوله:

عطآء حسابا

[النبأ: 36] الثواب دون التفضل، والمراد بقوله: ﴿ يرزق من يشآء بغير حساب ﴾ التفضل، فإن قيل: كيف قال: بغير حساب؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" حلالها حساب وحرامها عذاب ".

قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها في معنى الحساب في المؤمنين: العرض، [ومن نوقش الحساب عذب].

فإن قيل: من الذي زين للذين كفروا الحياة الدنيا؟ قيل: ذهب بعض المفسرين إلى أن الذي زينها لهم إبليس كما قال الله تعالى في آية أخرى:

وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم

[الأنفال: 48]. وعن الحسن أنه قال: (زينها والله لهم الشيطان، فلا أحد أذم للدنيا ممن خلقها قال الله تعالى:

قل متاع الدنيا قليل

[النساء: 77] وقال تعالى:

وما الحيوة الدنيآ إلا متع الغرور

[الحديد: 20]).

وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى هو الذي زينها لهم؛ إذ خلق فيها الأشياء المعجبة وركب الشهوات في قلوب العباد؛ فنظر الذين كفروا إلى الدنيا بأكثر من مقدارها؛ فاغتروا بذلك كما قال تعالى:

إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا

[الكهف: 7]. قالوا: إنما فعل الله ذلك؛ لأن التكليف لا يتم إلا مع الشهوة، فإن الإنسان لا يجوز أن يكلف إلا بأن يدعى إلى ما تنفر عنه نفسه أو يزجر عما تتوق إليه نفسه، وهو معنى قوله عليه السلام:

" حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ".

وقرأ مجاهد وحميد: (زين للذين كفروا) بفتح الزاء، على معنى زينها الله عز وجل لهم.

التفسير الكبير · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٥١