فعلى هذه الأقاويل: الآية منسوخة؛ وهذا قول أكثر الفقهاء والمفسرين. وقال قوم: لم تنسخ هذه ولا شيء منها، وإنما تأويلها: وعلى الذين يطيقونه في حال شفائهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثم عجزوا عن الصوم؛ فدية طعام مسكين؛ وجعلوا هذه الآية محكمة؛ وهذا قول سعيد بن المسيب والسدي؛ وإحدى الروايات عن ابن عباس: فجملة ما ذكرنا من الأقاويل على قراءة من قرأ (يطيقونه) من الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان.
وأما على قراءة (يطوقونه) فيأولونه أنه الشيخ الكبير والعجوزة الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه؛ فهم مكلفون ولا يطيقونه، فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكينا؛ وقالوا: الآية محكمة. قوله تعالى: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ أي خير لكم من أن تفطروا وتطعموا. قوله تعالى: ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كنتم تعلمون ثواب الله تعالى في الصوم.
ثم بين الله تعالى أيام الصيام بقوله عز وجل: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾؛ قرأ العامة (شهر) بالرفع على معنى أتاكم شهر رمضان. وقال الفراء: (ذلكم شهر رمضان). وقيل: ابتداء وما بعده خبر. وقال الأخفش: (هو شهر رمضان). وقال الكسائي: (كتب عليكم شهر رمضان).
وقرأ الحسن ومجاهد: (شهر رمضان) نصب على معنى صوموا شهر رمضان. وقال الأخفش: (نصب على الظرف؛ أي كتب عليكم الصيام شهر رمضان). وقيل: نصب على الإغراء؛ أي التزموا شهر رمضان. وقيل: نصب على البدل من قوله: ﴿ أياما معدودات ﴾.
وسمي الشهر شهرا لشهرته. واختلفوا في رمضان؛ فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله؛ فيقال: شهر رمضان كما يقال.
شهر الله؛ ويدل على ذلك ما روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله عز وجل في القرآن فقال: شهر رمضان ".
قال أبو عمر: (وإنما سمي رمضان لأنه رمضت فيه الفصال من الحر). وقيل: سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب؛ أي يحرقها. وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. وقال الخليل: (هو مأخوذ من الرمض؛ وهو مطر يأتي في الخريف؛ سمي به هذا الشهر لأنه يغسل الأبدان من الآثام غسلا ويطهر قلوبهم تطهيرا).
قوله تعالى: ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ روي أن عطية بن الأسود قال لابن عباس: إنه قد وقع الشك في قوله تعالى: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ وقوله:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] و
إنآ أنزلناه في ليلة مباركة
[الدخان: 3] وقد نزل في سائر الشهور قال الله تعالى:
وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا
[الإسراء: 106]؟ فقال: (أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر في شهر رمضان، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على النبي عليه السلام نجوما عشرين سنة، وذلك قوله عز وجل:
فلا أقسم بمواقع النجوم
[الواقعة: 75]).
وقيل: كان ينزل في كل شهر من شهر رمضان إلى سماء الدنيا ما كان ينزل في تلك السنة، فنزل من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا، ونزل به جبريل في عشرين سنة. وقال بعضهم: كان ابتداء إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، فأضيف إنزال الكل إلى ذلك.
وعن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من شهر رمضان، وأنزلت التوراة في ست ليال مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل في ثلاث عشرة مضين من رمضان، وأنزل الزبور في ثماني عشرة ليلة مضت من رمضان. وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من شهر رمضان "
وروي أن التوراة أنزلت في اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل في ثماني عشرة من رمضان.
قوله تعالى: ﴿ هدى للناس ﴾؛ أي أنزل الفرقان هاديا للناس من الضلالة، وانتصب ﴿ هدى ﴾ على القطع؛ لأن القرآن معرفة وهدى نكرة. قوله تعالى: ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾؛ أي ودلالات واضحات من الهدى والفرقان بين الحق والباطل. وقيل: معناه: بينات من الحلال والحرام؛ والحدود والأحكام.