تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من قواعدها، فكثرت على أثرها الانقلابات والتحولات، وازدادت قابلية الأمم

للتأثرات، وتم في هذه السنين السبع بين طبعتي الكتاب الأولى والثانية ما لا

يحصل أكثر منه في الحقب الطوال، كان لا مندوحة لنا عن مراجعة النظر في

الحواشي التي علقناها على الكتاب أول مرة؛ لنضم إليها ما جد من الوقائع التي

جرت خلال هذه الأعوام الأخيرة، ونردف الأول بالآخر، والأصل بالفرع،

وتكون الحواشي التي توخينا تعليقها على موضوع من مباحث العلامة ستودارد قد

جاءت بتمام البحث، ووفت بالغرض، ونقعت الغلة، ولم تبق في النفس حاجة،

وأتت بصورة الوقائع متسلسلة من الأول إلى هذه الساعة، ثم إنه لم ينحصر الأمر في

سرد الوقائع ولا في تقييد ما تجدد في هذه الأعوام الأخيرة من الحوادث، بل تعداه إلى

إكمال مباحث كان ضيق الوقت قد قضى باختصارها، ومطالب ألجأ تحرج المكان

دون استنزافها إلى أصبارها، فأطلقنا هذه المرة فيها للقلم عنانا، وأرهفنا للتحقيق

سنانا، وأكملنا ما كان قضى ضيق الوقت بإبقائه ناقصا، أو برده عن محله ناكصا.

(وأما كتابنا هذا في أجزائه الأربعة هذه المرة، فإنه إلى أن يتاح للإسلام

حظ هذا العمل الكبير، يكون من الكتب التي تفي بجانب من هذا العوز، ويجوز

أن يقال: إنه معلمة إسلامية صغيرة، بل هو في المباحث الجغرافية والتاريخية

والإحصائية عن أقطار الإسلام النائية وبقاعه المجهولة فذ في بابه، وكذلك يمتاز

هذا الكتاب بالمباحث السياسية التي قيض لمحررها أن يعلمها من عين صافية، وأن

يقف على الرواية الوثقى منها بطول خبرته، وقرب سنده، واستمرار مزاولته لهذه

الأمور من 47 سنة. وفيه بعد تراجم وأخبار، لم يسجلها كتاب ولا جرى بها قلم،

فلا يجدها الناشد في غيره، إذ هي نتيجة مشاهدات الكاتب وما رآه بالعين وما

سمعه بالأذن وما كان له فيه أخذ ورد. وعلى كل حال ففي هذا الكتاب من الطريف

ما لا يسع إنكاره الجاحد، ولا يضيره مراء الحاسد. ولا شك في أن الأمة

الإسلامية الناهضة إلى تجديد تاريخها، النازعة إلى النماء بجميع فروعها

وشماريخها، ستتفطن إلى كل ما يعوزها من هذه المقاصد الجليلة، ومن جملتها

تأليف المعلمة الكبرى التي هي من ضرورات رقيها وأشراط نموها وبالله التوفيق،

ومنه نستمد الهداية إلى أقوم طريق، وصلى الله على النبي العربي العريق، وعلى

آله وصحبه وسلم.

هذا ما كتبه الأمير شكيب في التعريف بالحواشي التي علقها على كتاب

(حاضر العالم الإسلامي) وما زاده فيها، ومن أعلم منه بها وهو أبو عذرتها،

وغارس فسيلتها، وجاني ثمرتها، وقد يظن من يقرؤها وحدها أنه ربما كان مبالغا

في وصفه لها، وما هو إلا مقصر كل التقصير، وما كان التقصير من شأن قلمه

في يوم من أيام عمره، وإنما كان الآن أمرا لازما لتسمية مصنفه الكبير، حواشي

معلقة في أذيال كتاب ستودارد الصغير، وإنه لأجل من أن يكون أصلا له أو متنا

ويقل ذلك الأصل أن يجعل ذيلا له أو ذنبا، ولكنه ظلم نفسه ظلما علميا أدبيا،

أعقبه ظلما ماليا ماديا، ومن شاء أن يعلم كنه هذا الظلم مجملا، فلينظر في فهرس

الكتاب قبل أن يعلمه بقراءته كله مفصلا.

على أن اسم (حاضر العالم الإسلامي) لو وضع لتعليق لمصنف الأمير

شكيب هذا وحده، لكان ظلما له وهضما لحقه، وتصغيرا لقدره، وإنما الجدير به

أن يسمى (غابر العالم الإسلامي وحاضره) أو تالده وطارفه، فإن مقدمته في

نشوء الإسلام وارتقائه وانحطاطه، ويليها الكلام في الفتح العربي والبعثة المحمدية

وأقوال جمهرة من العلماء والفلاسفة والمؤرخين الأوربيين في النبي صلى الله عليه

وسلم ومنه خلاصة كتاب (حياة محمد) لإميل درمنغهم الكاتب الفرنسي الذي اشتهر

بهذا الكتاب، ويلي ذلك فصول ضافية في علو الإسلام وعظمته، وسبب هبوط

أهله في هذا الزمان، وفي مدنية الإسلام والرد على حسادها المكابرين، وارتقاء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٦٦