لنفسها وحدها، فلو لم يكن للوارثين إلا ما يرثونه من أمواتهما لكانت أموال النساء
دائما أكثر من أموال الرجال، إذا اتحدت وسائل الاستغلال، فيكون إعطاؤهن
نصف الميراث تفضيلا لهن عليهم في أكثر الأحوال، إلا أن سببه أن المرأة أضعف
من الرجل عن الكسب، ولها من شواغل الزوجية وما يتصل بها من حمل وولادة،
ثم من شواغل الأمومة ما يصرفها عن الكسب الذي تقدر عليه وهو دون ما يقدر
عليه الرجل في الغالب، فمن ثم لم يكن فرض نفقة الزوجية والدار والأولاد على
الرجل ظلما له وتفضيلا للمرأة عليه في المعيشة، ووجه إعطاء المرأة ما تعطى من
الميراث أن يكون لها مال تنفق منه على نفسها إذا لم يتح لها الزواج، أو مات
زوجها ولم يترك لها ما يقوم بأودها، فهو من قبيل المال الاحتياطي لها وللأسرة
وقد شرحنا هذه المسألة بالتفصيل في مقالات أخرى.
11- مهر الزواج
إن مما امتازت به الشريعة الإسلامية المحمدية في تكريم النساء على جميع
الشرائع والنظم التي يجري عليها البشر في الزواج أنها فرضت على الرجل أن
يدفع لمن يقترن بها مهرا مقدما على البناء بها، من حيث تفرض الشعوب غير
المسلمة على المرأة أن تدفع هي المهر للرجل - ولكنهم يسمونه باسم آخر - فترى
البنت العذراء مضطرة إلى الكد والكدح لأجل أن تجمع مالا تقدمه لمن يقترن بها إذا
لم يكن لها ولي من والد أو غيره يبذل لها هذا المال، وكثيرا ما تركب الأوانس
الناعمات أخشن المراكب وتتعرض للعنت، والتفريط في العرض والشرف، في
سبيل تحصيل هذا المال.
وشريعة اليهود تفرض للمرأة مهرا لكنها لا تملكه بالفعل إلا إذا مات زوجها أو
طلقها؛ لأنه ليس لها أن تتصرف بمالها وهي متزوجة.
فرض الله المهر على الرجل للمرأة فرضا حتما وحرم عليه أن يأكل شيئا منه
بعد الزواج بدون رضاها وطيب نفسها فقال: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ (النساء: 4) والنحلة في اللغة العطاء الذي لا يقابله عوض، فقول الفقهاء: إن
المهر في معنى ثمن الاستمتاع، مخالف للغة، ورد عليهم شيخنا الأستاذ الإمام
(الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية رحمه الله) فقال: كلا، إن الصلة بين
الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال: (نحلة)
فالذي ينبغي أن يلاحظ أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق
عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري
والمستأجر، وترى عرف الناس جاريا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه
بالهدايا والتحف اه كلامه. ولكنه قال في موضع آخر: إن حكمة المهر للمرأة أن
تطيب نفسها برياسة الرجل عليها، وهو مع ذلك تكريم لها وسيأتي.
والخطاب يحتمل وجها آخر، وهو أن الخطاب للأولياء الذين يزوجون اليتامى
وغير اليتامى، فقد كان ولي المرأة في الجاهلية يزوجها ويأخذ صداقها لنفسه دونها،
فنهى الله الأولياء في الإسلام أن يفعلوا ذلك، قال تعالى: {فإن طبن لكم عن
شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} (النساء: 4) أي: فإن طابت أنفسهن عن
شيء من المهر فأعطينه من غير إكراه ولا إلجاء بسبب سوء العشرة، ولا إخجال
بالخلابة والخديعة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: من غير ضرار ولا خديعة.
﴿فكلوه هنيئا مريئا﴾ (النساء: 4) أي سائغا لا غصص فيه ولا تنغيص، فإذا
طلب منها شيئا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له،
وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى.
12- الزواج وحقوق النساء فيه
كان عند العرب في الجاهلية أنواع من الزواج الفاسد الذي كان يوجد عند كثير
من الشعوب، ولا يزال بعضه إلى اليوم في البلاد التي تغلب عليها الهمجية، فمنها
اشتراك الرهط من الرجال في الدخول على امرأة واحدة وإعطاؤها الحق في الولد
أن تلحقه بمن شاءت منهم.
ومنها نكاح الاستبضاع: وهي أن يأذن الرجل لزوجه أن تمكن من نفسها رجلا