إننا لم نسمع في عمرنا الطويل كلمة واحدة مما نقله عن المثقفين في مصر
وسورية وفلسطين، لا من المثقفين الذين يجلون عن هذه الجهالات أن تصدقها
عقولهم، أو ترويها ألسنتهم، ولا عن العوام الخرافيين منهم، ونحن أعلم بهذه
البلاد وأهلها منه، ولم نر في كتب أحد ما هو أغرب منها كما ادعى، وأي شيء
أغرب من جعل خلقة الشيعي مخالفة لخلقة سائر البشر، فإن فرض أنه سمع كلمة
سخيفة كهذه جديرة بالسخرية من بعض أعراب الدليم الأميين في العراق، أفلم يكن
له من عقله ما يزع تعصبه أن يلصقها بالطبقات المثقفة في مصر وفلسطين
والشام؟ وإننا قد سمعنا من أخبار الشيعة في العراق وإيران وجبل عامل من
الأقوال والأعمال في عشر المحرم وغيره حتى في البيوت ما لم يخطر في بالنا أن
نكتبه تمهيدا للاتفاق؛ إذ من الضروري أنه مثار للشقاق.
يلي هذا الشاهد على غلوه في هجو أهل السنة في أرقى البلاد العربية
والإسلامية غلوه في إمامه المؤلف بجعله هو العالم المسلم الفذ الذي عني بدعوة أهل
السنة إلى الاتحاد ونبذ عصبية المذاهب المفرقة بالسعي العظيم الذي انفرد به،
وقاسى الأهوال والشدائد في سبيله، وهو قبوله دعوة المؤتمر الإسلامي العام
ومجيئه من أرض العراق إلى أرض جارته فلسطين ليلقي خطبة فيه! !
بخ بخ، أليس لأحد من علماء أهل السنة وفضلائهم شيء من مشاركة علامة
الشيعة في هذا الفضل، وقد جاء بعضهم من أقطار أوربة وبعضهم من أقطار
الشرق، وكانوا كلهم متفقين على جمع كلمة المسلمين، ونبذ التفريق الذي دعا إليه
بعض علماء الشيعة كالسيد عبد الحسين نور الدين، ولم يسمع بمثله في العالمين؟
ولا يزالون يسعون إليه كما فعله صاحب كتاب الشيعة في هذا العام؟
إن أول صوت سمعه العالم الإسلامي كله في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية
العامة، والاتفاق بين أهل السنة والشيعة خاصة، هو صوت الحكيمين الإمامين
السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري، ومقالات العروة الوثقى
في ذلك محفوظة أعيد طبعها، وتاريخ (الأستاذ الإمام) مفصل لها وقد نشرنا
دعوتهما وأيدناها بمقالاتنا وسعينا العملي منذ 36 سنة، ولكننا نغضي النظر عن
ذلك، وننظر إلى عمل المؤتمر الإسلامي وحده.
ألم يكن لرئيس المؤتمر الإسلامي الداعي إليه وأعضاء اللجنة التحضيرية
التي وضعت نظامه من الفضل ما يفوق فضل علامة الشيعة بإجابة الدعوة؟ ألم
يكن للرئيس من فضل السبق إلى التأليف والاتحاد تقديمه إياه على جميع من حضر
المؤتمر من علماء السنة وسادتهم بإمامة الصلاة في الاجتماع العام للمؤتمر في ليلة
ذكرى الإسراء والمعراج؟ وقد علمت باليقين أن السيد أمينا الحسيني شاور في هذا
التقديم له غير أعضاء اللجنة من كبار علماء السنة، فوافقوه على ذلك؛ لأن
الغرض منه التأليف والوحدة لا لسبب آخر، ولم يكن أحد منهم سمع في هذا
الغرض من سماحة كاشف الغطاء كلمة، فلأهل السنة السبق إلى هذه الدعوة، ثم
في تكريمه وتقديمه لأجل الوحدة.
ومما انتقده جمهور أعضاء المؤتمر على الأستاذ الشيخ محمد آل كاشف
الغطاء أنه اتخذ هذا التقديم في تلك الليلة الحافلة حقا له شرعيا، ومنصبا رسميا،
فكان يتقدم من تلقاء نفسه الجميع في كل صلاة جماعة يحضرها، ولم يزاحمه أحد
من أهل السنة فيها، ولم يتواضع هو مرة فيدعو غيره من العلماء أو السادة الشرفاء
إلى مشاركته أو النيابة عنه على فرض أنه هو صاحب الحق، ولكنه يقدم غيره من
باب التواضع وحسن الذوق.
أو لم تكن هذه المنة للمثقفين من أهل السنة كافية لإبطال تلك التهمة، فتمنع
السيد عبد الرزاق الحسني وأستاذه علامة الشيعة ومجتهدهم من تشهير مثقفي أهل
السنة كلهم بها وجعلها سبب تأليف هذه الرسالة وإنما هي دعوة لأهل السنة إلى مذهب
الشيعة.
نعم إنه قد ذكر كل من مؤلفها ومؤلف كتاب (الشيعة) أن الداعي أو الدافع