تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الرحلة الأوربية

(3)

الفنادق في سويسرة:

كان الأمير ميشيل بك لطف الله أوصى توفيق أفندي اليازجي بأن يحجز لنا

حجرات في فندق من أرقى فنادق (جنيف) وأحسنها؛ إذ كان بلغنا أن هذه الفنادق

ستكتظ على كثرتها بالمسافرين عند اجتماع عصبة الأمم، وأن يستأجرها إذا توقف

حجزها على استئجارها، وصح ما قيل من تسابق الناس إلى مثل ذلك. فلما وصلنا

إلى جنيف ذهب بنا إلى فندق إنكلترة، وهو من الفنادق الوسطى، وموقعه أمام

البحيرة جميل، فلم يعجب الأمير ميشيل بك، وعاتب توفيقا على إنزالنا فيه،

فاعتذر بأن الخديو كان ينزل فيه، فقلنا لعله كان يراه أعون له على التنكر، وقد

نزل فيه في وقتنا الأمير عزيز حسن. ثم عهد الأمير ميشيل إلى جورج أفندي

يوسف سالم بأن يبحث لنا عن 4 حجرات في فندق من الدرجة الأولى، يكثر فيه

كبار أعضاء جمعية الأمم؛ ليسهل التعرف بهم، ويكون وجودنا معهم مذكرا لهم

دائما بوجود وفد سوري يطالب باستقلال بلاده، وبعد جهد في البحث والتجوال وجد

لنا مطلوبنا في فندق (دي برك) ، وكان الأمير ميشيل قد أوصاه بأن يساوم

صاحب الفندق في أجرة الحجرات، وثمن الطعام وأجرة غسل الثياب، فلم يعن

بالتدقيق في ذلك بل رضي بأن نعاملهم بالتعريفة التي يطلبونها؛ لظنه أن ذلك

محدود كما يقولون، ثم تبين أن الأمير ميشيل هو المصيب، وأنه أعلم بشئون

البلاد من سالم الذي هو أكثر منه أسفارا وتجوالا في الممالك كما قلنا من قبل، وأنه

كان يمكن أن يقتصد بالمساومة مبلغا من الجنيهات، لا ينبغي التسامح في مثله!

وقبل أن أبين الفائدة التي أقصد إليها من ذكر هذه المسألة أذكر دقيقة أخرى

للأمير ميشيل هي دونها في باب الاقتصاد، ولكنها تدل على حذق، وذكاء،

واختبار، وهي أن أصحاب فندق فيكتوريا في مدينة لوزان لما قدموا لنا جريدة

الطعام - وهي مطبوعة - ألفينا فيها الأثمان المطبوعة مرمجة، وبجانبها أثمان

مكتوبة بالحبر هي أكثر منها، فلم ينتبه أحد منا إلى سبب ذلك غيره فقد قال: إن

هذه الأثمان المطبوعة هي أثمان الطعام لأهل البلد، وإنهم إنما زادوا فيها لأجلنا؛

فإن لأهل سويسرة حذقا في اجتلاب الأموال من السياح، لا يضارعهم فيه غيرهم،

وسبب ذلك أن ما يربحونه من الأجانب معظمه من الذين يقصدون بلادهم من جميع

أقطار العالم المدني للتمتع بمناظر جبالها، ومروجها الخضراء، وبحيراتها الزرقاء،

واستنشاق نسيمها العليل، وتفيؤ ظل حدائقها الظليل، فما ينفقه فيها السائحون

والسائحات هو عند أهلها من قبيل دخل الصادرات، وأما الصادرات التي تخرج

منها إلى غيرها - فهي قليلة، أهمها الساعات من المصنوعات المعدنية، فهي

أشهر بلاد أوربة إتقانا لها، والزبدة والجبن والفاكهة من نتائج الزراعة.

هذا، وإن جميع الأسعار في بلاد سويسرة محدودة لجميع أنواع البضائع،

وأهلها يغلب عليهم الصدق والأمانة، وقد قيل لنا: إن أكثر بلاد أوربة، ولا سيما

العواصم والثغور العظيمة كباريس ومارسيلية يبيعون الغرباء بأسعار أعلى من

الأسعار التي يبيعون بها الوطنيين، وأما سويسرة فقلما تجد هذه المعاملة فيها

للغرباء في غير الفنادق، ومن أسباب ذلك أن أكثر أصحابها من اليهود.

أما بعد: فإن غرضنا من الإلمام بهذا البحث تنبيه القراء إلى ما يجب على

المسافر من بلاده إلى أوربة وغيرها من الدقة والاقتصاد في النفقة، وحفظ ماله أن

يضيع فيما لا يفيد صاحبه حمدا في الدنيا، ولا ثوابا في الآخرة، بل هو من

إسراف الغباوة الذي يحتقر فاعله كل عاقل وقف على حاله.

إن من لا يعرف ميشيل لطف الله إذا سمع أنه يساوم في أثمان طعام الفنادق،

وينبه من يوليه أمر نفقته إلى أمثال هذه الدقائق - يظن أنه ممن يصح أن تكتب

أخبارهم في نوادر البخلاء، أو أن الدافع له إلى مثل هذا التوفير الفقر والإملاق،

أما وكل من يعرف الرجل يعلم أنه من أكبر أهل النعمة والثراء، ومن أشهر

الأجواد والأسخياء، وأنه مقري الضيوف، ووهاب الألوف، فكيف يفهمون بعد

هذا منه، ما روينا من هذه الدقة في التوفير عنه؟ !

لا شك أن سفهاء الوارثين المعروفين في هذه البلاد - وهم لا يعقلون معنى

لكلمتي التوفير والاقتصاد، الذي عليه مدار ثروة الأمم والأفراد - يعدون ذلك من

الهنات المستهجنات، ويكثرون التنادر بها، واختراع النكات لها، وأما أهل العلم

والبصيرة فهم الذين يقدرونه قدره، ويعلمون أنه من العقل والحكمة، والشكر الذي

تدوم به النعمة، وإنني - قبل التثريب على أولئك السفهاء المسرفين - أذكر لهم

مثلا من قصد الأجواد المتقدمين والمتأخرين.

روي في مناقب الإمام الحسن السبط - عليه السلام - أنه جاء المدينة المنورة

تاجر من العراق بأحمال من أجود الثياب، فاشتراها منه الحسن بعد أن بالغ في

المساومة معه، ولم يترك له من الربح إلا القليل، ثم أخذ منها ثوبا أو ثوبين،

ووزع الباقي على الحاضرين، فقال له التاجر: يا ابن رسول الله، لقد بالغت في

مساومتي حتى لم يكن لي من الربح على تعبي إلا القليل، وقد كنت أحق من هؤلاء

الناس بمثل ما أعطيتهم - أو ما هذا معناه - فقال له الحسن: (المغبون لا محمود

ولا مأجور) ، أي لا هو مهدي هدية فيحمد، ولا متصدق فيؤجر، وهذا حديث

مرفوع رواه الخطيب عن أبيه والطبراني عنه وأبو يعلى عن أخيه الحسين -

عليهم السلام -.

وما رأيت أحدا من الأغنياء العقلاء أشبه بالأمير ميشيل في إنفاقه وتوفيره،

من الشيخ قاسم آل إبراهيم التاجر العربي الشهير في بومبي (الهند) ؛ فقد عهدناه

ينفق من سعته في الأعمال العامة كالمدارس، والإعانات للدولة العثمانية، فيهب

المئات والألوف من الجنيهات، ولا يطمع أهل الكدية والاستجداء منه بدينار، ولا

درهم، وإن وقف على بابه طول النهار، وأطراه بالبليغ من الأشعار، على أن

ميشيل لطف الله كثيرا ما يعطي الشعراء والأدباء، ولكن دون ما يهب للمدارس

والجمعيات الخيرية والأعمال السياسية.

فأمثال هؤلاء الأغنياء هم الذين يعرفون كيف يحفظون نعمة الله عليهم بالثروة،

ويكونون أهلا للمزيد، والزكاء فيها على كثرة النفقة.

هذا، وإن ما يمكن توفيره من نفقات السفر في أوربة من غير إزراء بصاحبه،

ولا نقص في تمتعه - ليس بالشيء التافه الذي لا يعتد به، وناهيك باختيار

المواقع، ومساومة أصحاب المنازل والفنادق، وقد علمنا أن أهم سبب غلاء المواد

الغذائية في سويسرة وغيرها وارتفاع أجور الفنادق - هو جعل ورقها النقدي (بنك

نوت) بسعر الذهب لا ينقص شيئا، وقد كان هذا سببا لقلة قصد السائحين إليها بعد

الحرب، كما كان يعهد قبلها، حتى سائحي الإنكليز والأميركيين الذين هم أكثر

الشعوب سياحة وأوسعهم فيها نفقة، فقد تجولنا بعد فض مؤتمرنا في أشهر بلادها،

ورأينا أشهر فنادقها، فلم نجد إلا القليل من السائحين فيها، ولما ذهبنا إلى ألمانية

وجدنا الفنادق غاصة بالناس من أهل سويسرة وغيرهم، حتى إنك لتطوف على

الكثير منها، فلا تجد لك حجرة فيها، كما سيأتي في محله، وإنما كثر الغرباء في

مدينة جنيف وحدها لما ذكرنا من اجتماع جمعية الأمم فيها، وكثرة قصد المشتغلين

بالسياسة إليها.

الفرنك السويسري كالفرنك الفرنسي، والليرة الإيطالية وغيرهما من نقد دول

الاتحاد اللاتيني، كلها متساوية في وزنها الفضي وسعرها الذهبي، ولكن التعامل

العام قد انحصر منذ اشتعلت نار الحرب في الورق، وهو مختلف السعر الآن،

حتى في البلاد التي يطبع فيها بحسب الثقة المالية قوة وضعفا، والمعيار العام في

أوربة لهذا الورق (البون) الإنكليزي؛ لأن مالية إنكلترة أثبت من غيرها من

الدول الأوربية التي اشتركت في الحرب، ولا يعلوها في ذلك إلا الولايات المتحدة

وسويسرة؛ فإنها كالولايات المتحدة في سعر القطع، ففرنكها لا يقل عن أربعة

قروش مصرية صحيحة.

وإن شئت مثالا من أمثلة غلاء الفنادق الغريب في سويسرة، فاعلم أن ثمن

البيضة في السوق قرشان مصريان، كما أخبرنا توفيق أفندي اليازجي، وهي في

الفندق أغلى، وأن أجرة غسل بعض الثياب في شهر واحد قد يزيد على ثمنها

ضعفا أو ضعفين أو أكثر؛ فإن أجرة غسل كل من المنديل والجورب وكيه لا يقل

عن فرنكين سويسريين كأجرة القميص واللباس، وقد يكون في بعضها أكثر،

أفليس شراء جديد بدلا من المتسخ هنالك خيرا من غسله، كلما استعمل كما هي

العادة؟ ، وقد هال رياض بك صلح أنه دفع جنيهين أجرة لغسل ثيابه في الفندق

الذي نقيم فيه (أوتيل دي برج) ، ومتوسط نفقة الطعام في سويسرة جنيه إنكليزي

أو مصري في اليوم وفي فندقنا وما ماثله أكثر، وفي بعض مطاعم السوق أقل.

وهذا الفندق من أغلى الفنادق أجرة وطعاما إن لم يكن أغلاها، والطعام فيه

أجود وأكثر منه في فندق فيكتوريا الذي نزلنا فيه أولا (وكتب أولا فندق إنكلترة

سهوا وطبع) ، فالألوان هنالك قليلة، وهنا كثيرة جدا، ولكن لكل يوم بل كل وجبة-

ألوانا معدودة لها ثمن معين، ومن طلب غيرها مما يوجد دائما رهن الطلب

كالفراخ والسمك والطير وسائر اللحوم بأنواعها فعليه أن يدفع ثمنه، ومن عاف

شيئا من طعام الوجبة فله أن يطلب بدلا منه بغير ثمن جديد، وكنت دائما أطلب

بدلا من الألوان التي يدخل فيها لحم الخنزير، والجبن من متممات الطعام يجوز أن

يستبدل به بعض الفاكهة، وهي كثيرة وجيدة الا التين؛ فإنه قليل ورديء، وقيل لنا

إنه يأتي من أسبانية وأكثر العنب غير جيد أيضا.

***

استطراد في أغبياء الأغنياء المسرفين:

هؤلاء الأغنياء المسرفون هم الذين يبذرون الأموال في سبيل الشهوات

المحرمة والفخفخة، الجديرون بأن يسلبوا ما وهبوا من النعمة، يتوهم الجاهل

المغرور منهم أن الشرف والفخار، في استمالة الفواجر والفجار، وتملق سماسرة

الفسق من قواد وخمار، وشخوص الأبصار على موائد القمار، وإطراء المخادعين

من الطامعين والشطار، وتغرير السماسرة الأشرار، فتراه بينهم يعطي باليمين

واليسار، ويشتري سلعة الدرهم بالدينار.

إلا أن هؤلاء الأغنياء الأغبياء، والمبذرين السفهاء، هم أعداء الله تعالى

وأعداء دينه، وأعداء أوليائه من فضلاء الناس وخيارهم، وأولياء أعدائه من

أشرارهم، وأعداء أمتهم ووطنهم، وأعداء ذوي قرباهم، ولا سيما أزواجهم

وأولادهم، فهم إذا أعدى أعداء أنفسهم.

أما كونهم أعداء الله وأعداء دينه، فهو أنهم يكفرون نعمه عليهم بالمال

وبالجوارح، والمشاعر، والحواس باستعمالها فيما يخالف شرعه الحكيم، ويضل

عن صراطه المستقيم، وقد وصفهم في كتابه بقوله: {إن المبذرين كانوا إخوان

الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} (الإسراء: 27) ، ويدخلون في عموم

قوله: ﴿وأن المسرفين هم أصحاب النار﴾ (غافر: 43) ، ولا نطيل في

تذكيرهم بآيات ربهم؛ فهم عن ذكره معرضون.

وأما كونهم أعداء أولياء الله أهل الفضائل، فهو أن الإسراف قد هبط بهم إلى

أسفل دركات الرذائل، وإنما يحب الإنسان شبيهه، ويكره بمقتضى الطبع

مخالفه وضده؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم إخوان الشياطين، وهو يصدق

بشياطين الإنس والجن؛ ولذلك جمع، فأما شياطين الجن فهي ما يجدون أثره

في خواطرهم، ووساوس أنفسهم، التي تزين لهم الفسق وتلبس عليهم

الحقائق، بتسمية الرذائل بأسماء الفضائل، كتسمية الإسراف جودا وكرما،

وتملق المنافقين (النصابين) جاها ومجدا، وتهافت العواهر وخدمة الحانات

والمواخير عزا وشرفا، وأما شياطين الإنس فهم قرناء السوء المنافقون

المتملقون الذي يتهافتون على الأغنياء المسرفين، ولا سيما الشبان الوارثين،

فيزينون لهم في الظاهر، ما يوسوس به الشيطان في الباطن، فهم شر منه

وأقدر على الإغواء؛ لأن التناسب بين شيطان الجن والشرير من الناس نفساني

فقط، وأما التناسب بينه وبين شيطان الإنس فهو نفساني وجسداني، ذاك

يشغل قلبه وخاطره، وهذا يملك باطنه وظاهره، فيشغل سمعه وبصره،

وذوقه ولمسه، ويكون قدوة سيئة له في جميع الرذائل، وشاغلا، بل منفرا له

عن معاشرة الأفاضل.

وأما كونهم أعداء وطنهم وأمتهم فله مظاهر كثيرة أدبية: كسوء

القدوة في إفساد الأخلاق، وشرحه يطول، واقتصادية كتحويل ثروة البلاد إلى

الأجانب، أنبأني نخلة باشا المطران في القسطنطينية سنة 1329، قال:

أنبأني رجل من كبار الماليين في باريس أن متوسط ما تربحه باريس وحدها

من المصريين في كل صيف ثلاثون مليون فرنك (وهو مليون ونصف مليون

دينار (بنتو) إفرنسي من الذهب) ، ومثل هذا الإحصاء خاص بما يمكن العلم به،

ويتناوله الإحصاء عادة كأجور الفنادق، والملاهي، والملاعب، والحانات،

وربما كان منه مواخير البغاء الرسمية دون ما يعطى للأخدان، ويقال: إنه قلما يوجد

رجل من الذين اعتادوا الاصطياف في أوربة من المصريين؛ لأجل التمتع

بالشهوات، ليس له خدن يكثر الاختلاف إليها في بيتها، أو تختلف إليه في

البيت الذي يقيم فيه من الفنادق العامة أو الدور الخاصة التي يعرف واحدها

(بالبنسيون) .

وللقمار مقامر عامة يمكن إحصاء ربحها وخسائر الشعوب فيها، ولكن

المبتلين به لا يحصرون مقامرتهم فيها، بل يقامرون أصدقاءهم وأخدانهم من

النساء والرجال في البيوت والملاهي والمنتزهات، وقد بلغنا أن عمر باشا

سلطان قد خسر بالمقامرة في صيف سنة واحدة (لعلها السنة التي مات فيها،

أو السنة التي قبلها) ثلاثين ألف جنيه مصري.

إن أكثر الأغنياء الأغبياء - ولا سيما الشبان الوارثين منهم - يخوضون

بحار هذه الموبقات بغير عقل، ولا حساب، ولا تقدير؛ فهم ليسوا كالإفرنج

الذين لهم من العلم والتربية ما يقف بهم عند حدود من الاقتصاد فيها كغيرها من النفقات المشروعة، بلغني أن المقامرين منهم يضعون في ميزانية نفقاتهم

السنوية مبلغا معينا من الدخل، يوزعونه على الشهر، لا يتجاوزون

قسط الشهر ربحوا أم خسروا. والمقامرون - ولا سيما المسلمين الجغرافيين

أو الرسميين من أهل بلادنا - قلما يقف أحد منهم عند حد، أو يتقيد بنظام،

وإن خسر دخل السنة كلها في أسابيع أو أيام، بل يقترض بعد ذلك بالربا

الفاحش، ويرهن أملاكه لعدم قدرته على كبح جماح نفسه، والوقوف بها عند حد

من شهواته، ولو أن الجرائد تنشر أخبار هؤلاء السفهاء، وما يخسرون في القمار

وسائر طرق الفسق والفجور - لكان لها تأثير عظيم في ردعهم، واعتبار الناس

بسوء حالهم.

إن آخر ما سمعت من أخبار هؤلاء المسرفين خبر شاب من الوارثين كان قد

أنفق مبلغا عظيما في سبيل العلم، فظننت أنه سيكون كالشيخ قاسم إبراهيم

في جده وعقله في بذله، وبعده عن اللهو الباطل وأهله، أو كالأمير لطف الله في

جمعه بين منتهى أبهة التمتع بزينة الدنيا وطيباتها، وبين أعمال البر

والمعروف مع النظام والتدبير فيهما، ولكن خاب الأمل فيه؛ إذ علمت أنه غلا في

الإسراف والتبذير غلوا كبيرا، لعله لا يدع له فتيلا ولا نقيرا ولا قطميرا، فهو

ينفق أضعاف ما ترك له والده الحريص من الدخل الكبير، وطفق يقترض بالربا

الفاحش، ويرهن ويبيع، فحزنت وأنا لا أعرفه عليه، وتمنيت لو تخلص مثل هذه

النصيحة إليه، وأن لا يكون إن نصح ممن قال الله فيهم: {أم تحسب أن أكثرهم

يسمعون أو يعقلون} (الفرقان: 44) ، ومن قال فيهم: {ولو علم الله فيهم خيرا

لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (الأنفال: 23) .

وكذلك ما ينفقه هؤلاء في وطنهم يتسرب أكثره إلى جيوب الأجانب أيضا؛

فإنه إنما يذهب في الفجور، وأكثر الفواجر منهم، والخمور وجميعها من صادرات

بلادهم، والقمار وهم أصحاب القدح المعلى فيه، أو ربا الديون وهم أصحاب

المصارف ورؤوس الأموال له.

أي عداوة للوطن وجناية عليه أكبر من نزح ثروته منه وإعطائها للأجانب؟ ،

ولو أن هؤلاء السفهاء يجعلون ما ينفقون في غير الضار لهم من شهواتهم، وفيما

ينفع الوطن من المشروعات العلمية والعملية لأمكن لمصر أن تضارع أوربة،

وتباريها في زمن قصير، سواء كان هذا البذل تبرعا في سبيل المصالح العامة، أو

استغلالا للمال فيما يرقي الزراعة، والصناعة، والتجارة، ويحفظ ثروة البلاد من

الضياع، ولو أنهم يشترون به سندات دين الحكومة وسهام الشركات والمصارف

العقارية وغيرها - لأمكنهم إعتاق حكومتهم وأمتهم من استرقاق الإفرنج الاقتصادي

لها، وجعلها حرة مستقلة في إدارة ثروتها، والاستقلال الاقتصادي أنجح ذرائع

الاستقلال السياسي إذا كان مفقودا، وأقوى دعائمه إذا كان موجودا.

وأما عداوة هؤلاء الأغنياء الأغبياء لأهلهم وأولادهم فهي أنهم أسوأ الناس

قدوة لهم في الفساد الذي أشرنا إليه، وأقلهم عناية بتربيتهم الصالحة، فكثيرا ما

يفنون ثروتهم كلها في حياتهم، فلا يتركون لأولادهم ما يعيشون به كما اعتادوا،

فيكونون أشقى الناس، ونتيجة ما ذكر أنهم أعدى أعداء أنفسهم، والجناة عليها في

دنياها وآخرتها.

إننا بالتجوال في أوربة ورؤية مناظرها الجميلة والتمتع بهوائها المعتدل في

فصل الصيف، ووجدان جميع أسباب الراحة - عرفنا تجربة ذوق، واختبار عذر

أغنيائنا في إقبالهم على الاصطياف فيها هربا من حر قطرهم وغباره، ولكننا لا

نرى لأحد منهم عذرا ما في إنفاق شيء من ثروة الوطن في غير أثمان ما يتمتعون

به من طيبات الرزق، وأجور السكن، والتنقل في البر والبحر، إلا أن يكون فيما

فيه منفعة معنوية لهم أو لأمتهم ووطنهم في علم، أو ثروة، أو سياسة؛ فإن في

أوربة من ينابيع العلم، ومصادر المعارف، ومجال الأعمال السياسية ما ليس في

مصر ولا في غيرها من البلاد، ولكن لا يكاد يوجد فيها شيء من اللذات الجسدية

لا يوجد مثله في مصر، وسيأتي بيان ما تمتاز به في مكان آخر.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٣ · الصفحة ٣٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٣ · ص ٣٨٣