الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
شرح قاعدة
لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب
وبيان عدم كفر المبتدع في الدين جاهلا أو متأولا
(1)
هذه القاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة الذين يصدق عليهم هذا القول، لا
من يسمون أنفسهم بهذا الاسم ليتميزوا من المعروفين بأسماء أخرى، وهي تذكر في
بعض العقائد، وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيقا نفيسا مطولا فيها ذكره في
سياق تخطئة الرافضة في سب الصحابة - رضي الله عنهم -، وبيان أن الرد
عليهم وعلى كل مخطئ في الدين يجب أن يقصد به بيان الحق وهداية الخلق دون
التشفي والانتقام، وذكر أن الكلام في هذا مبني على مسألتين وبين ذلك بما نصه:
إحداهما: أن الذنب لا يوجب كفر صاحبه كما تقول الخوارج، بل ولا تخليده
في النار، ومنع الشفاعة فيه كما تقوله المعتزلة.
الثانية: أن المتأول الذي قصد متابعة الرسول لا يكفر ولا يفسق إذا اجتهد
فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من
الناس كفروا المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين
لهم بإحسان ولا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال
أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها؛ كالخوارج والمعتزلة
والجهمية ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة كبعض أصحاب مالك والشافعي
وأحمد وغيرهم، وقد يسلكون في التكفير ذلك، فمنهم من يكفر أهل البدع مطلقا، ثم
يجعل كل من خرج عما هو عليه من أهل البدع، وهذا بعينه قول الخوارج
والمعتزلة والجهمية، وهذا القول أيضا لا يوجد في طائفة من أصحاب الأئمة
الأربعة ولا غيرهم، وليس فيهم من كفر كل مبتدع، بل المنقولات الصريحة عنهم
تناقض ذلك.
ولكن قد ينقل عن أحدهم أنه كفر من قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن
هذا القول كفر ليحذر، ولا يلزم إذا كان القول كفرا أن يكفر كل من قاله مع الجهل
والتأويل [1] ، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في
حقه، وذلك له شروط وموانع كما بسطناه في موضعه، وإذا لم يكونوا في نفس
الأمر كفارا لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين، فيستغفر لهم ويترحم عليهم،
وإذا قال المسلم ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ (الحشر: 10) ،
يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله،
فخالف السنة أو أذنب ذنبا، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان فيدخل في العموم،
وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا
كفارا، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب يستحقون به الوعيد كما يستحقه عصاة
المؤمنين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخرجهم من الإسلام، بل جعلهم من
أمته، ولم يقل: إنهم يخلدون في النار.
فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته، فإن كثيرا من المنتسبين إلى السنة فيهم
بدعة من جنس بدع الرافضة والخوارج، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - علي بن أبي طالب وغيره لم يكفروا الخوارج الذين قاتلوهم، بل أول ما
خرجوا عليه وتحيزوا بحروراء وخرجوا عن الطاعة والجماعة، قال لهم علي بن
أبي طالب - رضي الله عنه -: إن لكم علينا أن لا نمنعكم من مساجدنا ولا حقكم
من الفيء. ثم أرسل إليهم ابن عباس فناظرهم، فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي
وغلبهم، ومع هذا لم يسب لهم ذرية، ولا غنم لهم مالا، ولا سار فيهم سيرة
الصحابة في المرتدين كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في
الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكر أحد على علي ذلك، فعلم
اتفاق الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام.
قال الإمام محمد بن نصر المروزي: وقد ولي علي - رضي الله عنه - قتال
أهل البغي، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ما روى، وسماهم مؤمنين،