الخيال في الشعر العربي
(2)
التخييل التحضيري
تتداعى المعاني بوسيلة التذكر للأسباب التي كنا بصدد البحث عنها، ثم
المخيلة تنتخب منها ما يناسب الغرض، وهذا العمل - أعني الانتخاب - يسميه
علماء النفس تخييلا تحضيريا؛ لأنه العمل الذي تتمكن به المخيلة من استحضار
العناصر المناسبة للمرام.
تقتصر المخيلة عند الانتخاب على ما يدعو إليه الغرض، حتى إنها تأخذ الجسم
مقطوعا من بعض الأعضاء التي لا مدخل لها في المعنى، فتتصور الجواد بغير
قوائم كما قال المتنبي:
أتوك يجرون الحديد كأنما ... أتوا بجياد ما لهن قوائم
والعقرب بغير ذنب كما قال أبو هلال:
تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع ... كأنها عقرب مقطوعة الذنب
وربما انتزعت العضو من بين سائر الجسم كما أخذ ابن هانئ اليد، فقال:
ولاحت نجوم للثريا كأنها ... خواتيم تبدو في بنان يد تخفى
وأخذ ابن المعتز القدم فقال:
وارى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت من ثياب حداد
وأخذ آخر القلب فقال:
نقل الجبال الرواسي من مواطنها ... أخف من رد قلب حين ينصرف
***
التخييل الإبداعي
بعد أن تنتخب المخيلة ما يليق بالغرض من العناصر تتصرف فيها بالتأليف إلى
أن ينتظم منها صورة مستطرفة، ويسمى هذا التصرف تخييلا إبداعيا، أو
اختراعيا.
ويجري هذا التخييل في التشبيه والاستعارة وغيرها.
فالتشبيه قد تحذف أداته كما في قول النابغة:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وعمل الخيال فيه هو إحضار صورة المشبه به - أعني الشمس والكواكب - وإلغاء
وجوه التباين بينها وبين المشبه - أعني الممدوح - وبقية الملوك، حتى يدعي
اتحادهما، ويصح الإخبار بأحدهما عن الآخر، وبنى على هذا الادعاء أن ليس
للملوك مظهر، ولا تقوم لهم أمام هذا الملك سمعة، فإن الكواكب يتقلص ضوءها
ويغرب عن العيون مشهدها عندما تتجلى الشمس في طلعتها الباهرة.
وأما ما تذكر فيه أداة التشبيه، فلا أستطيع أن أعده في قبيل الخيال جملة،
كما أني لا أعزله عنه في كل حال، فإن كان فيه إخراج المعقول في صورة
المحسوس، أو المحسوس في صورة المعقول، أو إخراج الخفي إلى ما يعرف
بالبداهة، أو إخراج الضعيف في الوصف إلى ما هو أقوى فيه، فتصح إضافته إلى
الخيال؛ إذ له الأثر القوي في تقريره.
وأما عقد المشابهة بين أمرين متفقين في وجه الشبه من غير تفاوت، كالتشبيه
الذي يساق لبيان الاتحاد في الجنس أو اللون أو المقدار أو الخاصية، فلا يصح
نسبته إلى الخيال الشعري، وإن وقع في كلام مقفى، وإنما هو مما ينظر فيه
الباحث عن الحقائق كالفيلسوف أو الطبيب.
فلو اتفق أن وقف فتى بجانب ظبي وانطلقا في فسيح من الأرض، ولم يفت
أحدهما صاحبه قيد شبر، فبدا لك أن تتحدث عنهما فقلت: ولو في نظم
(كان فلان في سرعة عدوه كالغزال) لم يكن في هذا التشبيه شيء من الخيال؛
لأن عقد المشابهة بينهما في هذا الحال يشاركك فيه كل من شاهد الواقعة، وإنما
يمتاز التخيل بمثل قول الشاعر:
وفي الهيجاء ما جربت نفسي ... ولكن في الهزيمة كالغزال
حيث إن الخيال بحث عن صورة المشبه به وهو الغزال، وانتقاها من بين سائر
الصور المتراكمة في الحافظة، ثم تصور انطلاق المنهزم وهو الشاعر نفسه،
وبالغ في مقدار سرعته إلى أن وقع التشابه بينه وبين الغزال.
وإن أردت أن تفرق بين التشبيه الذي يدخل في التخيل، والتشبيه الذي هو
حائد عن طريقته، فانظر إلى قول المجنون:
كأن القلب ليلة قيل يفدى ... بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرها شرك فباتت ... تعالجه وقد علق الجناح
فترى الخيال هنا قد تجول حتى تصيد معنى القطاة، ووقع على الشرك، ثم
انتزع منهما هذه المعاني وهي وقوع القطاة في الشرك، وعلوق جناحها به، ومعالجتها
له كي تتخلص منه، وضم بعضها إلى بعض، فانتظم ذلك المعنى المركب، وانعقدت
المشابهة يبنه وبين حال القلب الذي وقع في حب العامرية، فأخذ يرتجف وجلا من