تفرقت بهذا كلمة الأمة وانشقت عصاها وانحطت رتبة الخلافة إلى وظيفة الملك،
فسقطت هيبتها من النفوس، وخرج طلاب الملك والسلطان يدأبون إليه من وسائل
القوة والشوكة، ولا يرعون جانب الخلافة) .
(وزاد الاختلاف شدة وتقطعت الوشائج بينهم بظهور جنكيز خان وأولاده،
وتيمورلنك وأحفاده، وإيقاعهم بالمسلمين قتلا وإذلالا، حتى أذهلوهم عن أنفسهم
فتفرق الشمل بالكلية، وانفصمت عرى الالتئام بين الملوك والعلماء جميعا
…
إلخ) .
إلى أن قال: (وكان الواجب على العلماء - قياما بحق الوراثة النبوية التي
شرفوا بها على لسان الشارع - أن ينهضوا لأحياء الرابطة الدينية ويتداركوا
الاختلاف الذي وقع في الملك ... إلخ)
(تنبيه) السيد جمال الدين يحقق أن السبب الأول لضعف المسلمين هو
انتقال الخلافة إلى غير العلماء المجتهدين في الدين خلافا لرينان الذي يزعم أن
سبب ضعف المسلمين هو دينهم حتى إنه زعم أن العلماء الكبار من خلفاء العباسيين
كالمنصور والرشيد والمأمون كانوا مرتدين عن الإسلام في باطنهم الذي زعم أنه
اكتشفه هو بعد زهاء ألف سنة! !
(الشاهد الخامس)
من العدد السادس المؤرخ في 24 إبريل.
المقالة الاجتماعية لهذا العدد موضوعها (التعصب) بين فيها حقيقة التعصب،
وهو القيام بالعصبية لحماية من تجمعهم رابطة نسب أو جنس أو وطن أو دين
بحماية أنفسهم من عدوان المخالفين لهم، وتعاونهم على القيام بمصالحهم ومنافعهم،
وبين أنه وصف كسائر الأوصاف له حد اعتدال وطرفا تفريط وإفراط، وأن
الاعتدال فيه من أسمى الفضائل، كما أن الخروج عنه من أضر الرذائل، ثم قال ما
نصه وهو محل الشاهد:
(ثغثغ جماعة من متزندقة هذه الأوقات في بيان مفاسد التعصب الديني
وزعموا أن حمية أهل الدين لما يؤخذ به إخوانهم من ضيم، وتضافرهم لدفع ما يلم
بدينهم من غاشية الوهن والضعف - هو الذي يصدهم عن السير إلى كمال المدنية
ويحجبهم عن نور العلم والمعرفة ويرمي بهم في ظلمات الجهل ويحملهم على الجور
والظلم والعدوان على من يخالفهم في دينهم. ومن رأي أولئك المتفقين أن لا سبيل
لدرء المفاسد واستكمال المصالح إلا بانحلال العصبة الدينية ومحو أثرها وتخليص
العقول من سلطة العقائد، وكثيرا ما يرجفون بأهل الدين الإسلامي ويخوضون في
نسبة مذام التعصب إليهم) .
(كذب الخراصون ! إن الدين أول معلم، وأرشد أستاذ، وأهدى قائد للأنفس
إلى اكتساب العلوم والتوسع في المعارف، وأرحم مؤدب، وأبصر مروض يطبع
الأرواح على الآداب الحسنة والخلائق الكريمة، ويقيمها على جادة العدل، وينبه
فيها حاسة الشفقة والرحمة، خصوصا دين الإسلام فهو الذي رفع أمة كانت من
أعرق الأمم في التوحش والقسوة والخشونة، وسما بها إلى أرقى مراقي الحكمة
والمدنية في أقرب مدة، وهي الأمة العربية) اه.
(تنبيه) هذا نص صريح في الرد على رينان أثبت فيه أن العرب بلغوا
أرقى مراقي الحكمة (الفلسفة) والمدنية بدينهم، ودليل على أن السيد جمال الدين
لم يتغير رأيه في الدين بباريس سنة 1883.
(لها بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) تابع لما نشر بالعدد السابق ص 303.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">