جاءهم العلم بغيا بينهم} (آل عمران: 19) ، قال الزجاج: اختلفوا للبغي لا
لقصد البرهان. وقال تعالى: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من
الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه
يختلفون} (يونس: 93) ، وقال تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب
والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من
الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم
القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع
أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم
أولياء بعض والله ولي المتقين * هذا بصائر للناس وهدى ورحمة} (الجاثية:
16-20
) ، فهذه المواضع من القرآن تبين أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم
العلم والبينات، فاختلفوا للبغي والظلم، لا لأجل اشتباه الحق بالباطل عليهم، وهذه
حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر
لهم الحق ويجيئهم العلم، فيبغي بعضهم على بعض.
(للبحث بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) لعل الأصل: ولو مع الجهل والتأويل.
(2) لعل الأصل: يكفره.
(3) المنار: قوله: وفي الحديث إلخ، لم أر الحديث بهذا اللفظ في شيء في دواوين السنة ولا
فيما جمع منها ككنز العمال والمصنف بحر واسع، وفي معناه حديث: (من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف) رواه البيهقي في شعب الإيمان من رواية عمرو بن شعب عن أبيه عن جده، وفي سنده
سالم بن ميمون الخواص ضعيف لا يحتج به ولا يكتب حديثه، روى عن المثنى بن الصباح الفارسي وهو ضعيف مختلف فيه، قال الإمام أحمد: لا يسوى حديثه شيئا وقال ابن معين: رجل صالح يكتب حديثه ولا يترك، لكن رواه الديلمي من حديث أبان عن أنس مرفوعا بلفظ: (لا ينبغي للرجل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى تكون فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عالم فيما يأمر، عالم بما ينهى، عدل فيما يأمر، عدل فيما ينهى) ، وذكر في الإحياء للغزالي: (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه) ، قال الحافظ العراقي: لم أجده هكذا، وذكر حديث البيهقي.
(4) يوشك أن يكون قد سقط من هنا شيء ولو بعض آية البقرة التي أورد جملة منها وهي: [كان الناس أمة واحدة] (البقرة: 213) وبعده: [فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين] (البقرة: 213) ، أي: كان بعثهم بعد الاختلاف الذي صرح به آية يونس وسيذكرها، وفي قراءة أبي بن كعب الذي أشار إليه المصنف بقوله: بعض الصحابة، ولعله قصد بها التفسير.
(5) لعل أصله: تفسير الجمهور، أي: للأمة الواحدة.
(6) يريد النمط الأخير الذي حكاه الله تعالى في قوله عنهم: [وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء] (البقرة: 113) .</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">