تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان يحذره بعض الفقهاء المشددين حتى في العادات، ولكن الجرأة على التحريم

والتكفير للأشخاص المعينين خطر على صاحبه، أعظم من الخطر الذي يحذره

وينكره الغلاة، فالإفراط في الدين كالتفريط فيه، كلاهما ينتهيان إلى الجناية عليه

والإضاعة له، فنسأل الله الحفظ والسداد.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الحقائق الجلية في المسألة العربية

مقال للعبرة والتاريخ

تمهيد ومقدمة

كتبنا في سنة 1334 (1916) مقالا عنوانه (المسألة العربية - مقالة

للتاريخ) لم يتيسر لنا نشره إلا بعد زهاء سنة كاملة من وقت كتابته، فنشر في

الجزء الأول من المجلد العشرين بعد أن أشرنا إليه في تقريظ جريدة القبلة من جزء

المنار الذي صدر في آخر المحرم سنة 1335 (من المجلد التاسع عشر) ولكن

بعد أن حذفت منه المراقبة الإنكليزية ما حذفت، وأكرهتنا على تبديل ما كرهت،

ولا أعني بالمراقبة الإنكليزية مراقبة قلم المطبوعات في وزارة الداخلية المصرية

التي كان يرأسها إنكليزي أمر بالتشديد في مراقبة المنار بما لا يشدد في مراقبة سائر

الصحف؛ لأنه في اعتقادهم أشد تأثيرا في أنفس المسلمين بما له من النفوذ

الديني [1] وإنما أعني مراقبة السلطة الإنكليزية التي تحول إليها مراقبة المطبوعات

في الداخلية ما يكتب في مسائل معينة من أهمها المسألة العربية والحجاز. على

أننا راعينا في تلك المقالة مقتضى الحال وأحكام الزمان، فسكتنا عن بعض الحقائق

وبينا بعضها بالتصريح، واضطررنا في البعض الآخر إلى الإيماء والتلويح، وأننا

نذكر في هذا المقال الذي نكتبه بعد إلغاء المراقبة على الصحف في مصر بعض

الحقائق ونرجئ بعضها إلى فرصة أخرى، قاصدين مع بيان حقائق التاريخ

الموعظة والذكرى، فنقول:

إننا كنا نتوقع وقوع الحرب الأوربية الكبرى قبل وقوعها بزمن بعيد،

- ولا سيما بعد حرب البلقان - خلافا لجماهير المفكرين الذين كانوا يستبعدونه أو

يحيلونه ظنا منهم أن الدول العظمى وصلت إلى درجة الكمال في العقل والفضيلة

ومراعاة المصالح الإنسانية العامة، بحيث يحلون جميع المشكلات بالأساليب السياسية

دون الحرب، ولم يصدق هؤلاء بإمكان وقوع هذه الحرب إلا بعد اشتعال نارها

بالفعل.

وكنا نعتقد أن الدول الأوربية الاستعمارية تريد الاستعجال بحل المسألة

الشرقية اغتناما لفرصة تهور الاتحاديين وتنفيرهم للعناصر العثمانية بغلوهم في

العصبية التركية، وقد شرحنا هذا الاعتقاد في المقالات العشر التي كتبناها بعنوان

(المسألة الشرقية) بمناسبة استيلاء إيطالية على سواحل برقة وطرابلس الغرب

ونشرناها في المؤيد ثم في المنار، وكان نشرها في المؤيد مثيرا لبعض وكلاء

الدول الأوربية وحاملا لهم على مراجعة العميد البريطاني بمصر، وإيعاز العميد

إلى رئيس الوزارة المصرية بإيذان صاحب المؤيد بالأمر، ووجوب مطالبته إياي

بتخفيف الحملة عن الدول بجملتها، وحصر الكلام في إيطالية ومسألة طرابلس.

وقد حملنا في المنار على الحكومة الاتحادية بما كانت وضعته من أساس

الاتفاق مع الدولة البريطانية على جعل العراق منطقة نفوذ اقتصادي لها، ومشروع

الاتفاق مع فرنسة على مثل ذلك في سورية، كما حملنا عليها في اتفاقها السري مع

إيطالية واعتقدنا أن الاتحاديين يريدون تنفيذ وعيدهم في العرب بعد أن أنذرنا غير

واحد من زعمائهم بأنهم يبيعوننا ويرقون شعبهم بثمننا، ولأجل هذا اندفع العرب

العثمانيون إلى طلب الاستقلال الإداري من الدولة لولاياتهم على طريقة اللامركزية.

ولما أعلنت ألمانية الحرب على روسية جزمنا بأن قد وقعت الحرب العامة

المنتظرة، وأن دولتنا ستصلى نارها مع ألمانية لما كنا نعلم من الروابط بين زعماء

الاتحاديين وبينها، وتوقعنا أن تكون الحرب سببا لحمل حكومة الاتحاديين على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٩٧