تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعاهدة البريطانية الحجازية

وخدعة الوحدة العربية

(2)

(تعليق وجيز على خلاصة المعاهدة)

لم يظهر لنا أدنى وجه لجعل المسيطر على الحجاز هذه المعاهدة عيدا للأمة

العربية، فما أبعد الفرق بين معاهدة لوزان التي جعلت الحكومة التركية عيد النحر -

وهو يوم إعلانها - عيدا وطنيا للترك، وبين هذه المعاهدة التي جعل الملك حسين

يوم إعلانها بمكة عيدا وطنيا للعرب؟

معاهدة لوزان قررت استقلال الترك استقلالا مطلقا من كل قيد سياسي

واقتصادي واجتماعي، والمعاهدة البريطانية الحجازية قررت استعباد بلاد العراق

وفلسطين وشرق الأردن بالوصاية البريطانية، وبلاد الحجاز بالحماية الإنجليزية،

فتلك جديرة بأن تجعل ذكراها عيدا وموسما، وهذه جديرة إن أمضيت بأن تجعل

ذكرى خزيها مناحة ومأتما.

بينت الجرائد المصرية ما في هذه المعاهدة من قيود استعباد العرب والحجاز.

وبين المؤتمر العربي الفلسطيني ما فيها من استعباد فلسطين والاعتراف بالحال

الحاضرة فيها وما هي إلا الاستعمار الإنجليزي بالانتداب المتضمن للوطن القومي

لليهود. وبينت اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني هذا أيضا وزادت عليه

ما فيها من إقرار الانتداب في سورية الشمالية أيضا. وإننا نسجل في المنار أهم ما

ظهر لنا من غوائل هذه المعاهدة المشئومة بما لا نعلم أن أحدا سبقنا إلى مثله،

ونسأل الله أن يقضي عليها بالفشل، وحسبنا من أعياد ملك الحجاز (عيد النهضة)

التي هي علة كل هذا الشقاء.

(المادة الأولى) تنص على منع استعمال بلاد كل من الحكومتين المتعاهدتين

قاعدة لأعمال موجهة ضد الحكومة الأخرى.

ليس في هذا النص أدنى فائدة للعرب! بل فيه من الضرر أنه يحظر عليهم

وعلى جميع مسلمي الأرض أن يتواطئوا في الحجاز أو يتشاوروا في أي أمر

ينكرونه على الإنجليز من ظلم شعبهم أو استعباد بعض بلادهم والاعتداء على

حكوماتهم، وكل ذلك واقع.

وسلب المسلمين لهذه الحرية في مهد دينهم ليس مما أعطاه الله لهذا الرجل الذي

نصبه الإنجليز ملكا على بلادهم المقدسة التي جعل كتاب الله لكل مسلم من الأمن

والحرية فيه مثل ما لهذا الملك وأولاده ورجال حكومته سواء. وأما حكومته فلن تنال

في مقابل ذلك شيئا، فإن الإنجليز لن يمنعوا مسلمي الهند من الأعمال الموجهة إلى

الإنكار على ملك الحجاز وحكومته وعليهم أيضا في سياستهم الحجازية والعربية لا

في الهند ولا في إنكلتره نفسها.

وأما (المادة الثانية) فهي مشتملة على ست قضايا بعضها خداع وبعضها

خزي ونكال.

(1) تعهد عاهل بريطانية بأن يعترف باستقلال العرب في العراق وشرق

الأردن والدول العربية في شبه جزيرة العرب ما عدا (عدنا) .

نريد قبل كل شيء أن نفهم معنى هذا الاستقلال، فإن عند الإنكليز ممالك

وولايات تسمى مستقلة وهي ذات نظم مختلفة، فنرى هنا أن الإنجليز لا يزالون

متمسكين بما يسمونه الانتداب - أي الوصاية - على العراق وفلسطين وشرق الأردن

فكيف تكون مستقلة إذا؟ وهنالك حكومات عربية كانوا جعلوها تحت حمايتهم كلحج

وحضرموت ولا نرى دليلا يدل على رفع هذه الحماية عنها، والحجاز قد قيدها

(موبقها) بمقررات النهضة من قبل، وقيدتها هذه المعاهدة بما يأتي بعد، فما معنى

استقلال هذه الممالك إذا؟ وأما حكومات اليمن وتهامة ونجد فهي مستقلة، ولم

ينكر الإنجليز عليها استقلالها وإنما كل همهم تقييدها بعهود واتفاقات وامتيازات

خادعة، تمهد لهم السبيل للعبث باستقلالها عند سنوح الفرص المناسبة. فإذا لم يكن

هذا الاستقلال لفظا خادعا فليصرحوا في المعاهدة بإلغاء الانتداب والحماية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٥٠