تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخيال في الشعر العربي

(3)

حال المعنى والتخييل

قد يصوغ الشاعر المعنى لأول الخطاب في صورة خيالية، فلا يدركه إلا من

صفت قريحته ورقت حاشية ألمعيته ككثير من الأشعار الواردة على طريق

المعميات والألغاز، أو من سبق إليه ما يهديه إلى المراد، ويساعده على فهمه من

قرينة حال أو مقال كبعض المحاورات التي يقصد فيها المتخاطبان إلى إخفاء

الغرض وكتمه عمن يصغي إلى حديثهم أو يطلع على رسائلهم.

وقد يصرح بالمعنى ثم يدخل به في طريق التخييل، وهذا إما أن يخرج

الصريح بالتخييل فيفصل المعنى، ويضع بإزاء كل قطعة منه صورة خيالية كما

قال العتابي يصف السحاب:

والغيم كالثوب في الآفاق منتشر ... من فوقه طبق من تحته طبق

تظنه مصمتا لا فتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت: الثوب منفتق

إن معمع الرعد فيه قلت منخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت محترق

مثل الغيم الضارب في الأفق بالثوب المنشور، ثم أخذ يقرن كل حال من

أحواله بما يقابلها من أحوال الثوب، فجعل إمساكه عن المطر مظنة الصحة

والمتانة، وانسكاب الغيث من خلاله منبثا بتفتقه، ومعمعة الرعد إعلانا بانخراقه،

ووميض البرق شظايا من اللهب تؤذن باحتراقه، وإما أن يستوفي المعنى

بالصراحة، ثم يأتي بمثاله الخيالي متواصل الأجزاء، وهذا كقول بعضهم:

رأيتكم تبدون للحرب عدة ... ولا يمنع الأسلاب منكم مقاتل

فأنتم كمثل النخل يشرع شوكه ... ولا يمنع الخراف ما هو حامل

استقصى المعنى الصريح وهو تظاهرهم بالأهبة للحرب وقعودهم عن قتال

عدوهم وافتكاك ما سلب من حقوقهم، ثم ضرب له المثل على نسق واحد بالنخل

يشرع نصالا مسنونة من الشوك، كالمتأهب للذود بها عما يحمل من الثمار، فيعمد

الخراف لها ويجتنيها بأجمعها دون أن يناله ذلك الشوك بأذى.

ومن أبدع ما جاء على هذا النمط قول ابن رشيق القيرواني:

رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أمني النفس فيها الأمانيا

وساوفت لي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا

وكنت كأني نازف البئر طالبا ... لأجمامها أو برجع الماء صافيا

فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا

وإما أن يصرح لك بالمحل الذي يجعله مناطا للحديث عنه، ثم يسوق القول كله على طريق التخييل كقول بعضهم:

إني وإياك كالصادي رأى نهلا ... ودونه هوة يخشى بها التلفا

رأى بعينيه ماء عز مورده ... وليس يملك دون الماء منصرفا

فقد أراك أول الشعر أنه يرد الحديث عن حاله مع المخاطب، ثم اطرد في

مجال التخييل الذي أفاد به؛ إذ الحاجة تحثه على القرب منه، والخطر المعترض

في سبيله ينصح له بالإحجام عنه، ومن أبدع الوصف المنسوج على هذا المثال

قول شرف الدين التيفاشي:

أما ترى الأرض من زلزالها عجبا ... تدعو إلى طاعة الرحمن كل تقي

أضحت كوالدة خرقاء مرضعة ... أولادها در ثدي حافل غدق

قد مهدتهم مهادا غير مضطرب ... وأفرشتهم فراشا غير ما قلق

حتى إذا أبصرت بعض الذي كرهت ... مما يشق من الأولاد من خلق

هزت بهم مهدهم شيئا تنبههم ... ثم استشاطت وآل الطبع للخرق

فصحت المهد غضبى وهي لافظة ... بعضا على بعض من شدة النزق

أسباب جودة الخيال

لا مشاحة أن النفوس تختلف بفطرتها في صحة الذوق وقوة التذكر فيكون من

أسباب التفاوت في جودة الخيال ما هو عائد إلى الفطرة، والغرض في هذا المقام

إنما هو البحث عن الأمور التي تؤثر في جودة الخيال وتبسط في نطاقه من خارج،

ومدارها على أمرين:

أحدهما: تردد النظر في مظاهر المدنية، فإن امتلاء حافظة الشاعر من

المناظر المختلفة والصور التي لا تدخل تحت حصر تجعله أغزر مادة حتى إذا

عرض له معنى اقتضى الحال إيراده في طريقة الخيال لا يعوزه متى التفت إلى

حافظته أن يلاقيه منها ما يساعده على العمل بسهولة، ثم إنه لغزارة مادته وسعة

مجاله تكون مخيلته أكثر عملا في إنشاء المعاني وإبداعها، وكثرة العمل مما تترشح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٣٢