فقط؛ أي: اتباعا لا ابتداع فيه، ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله المتبعة
التي صحت بالنقل والعمل عن السلف الصالح أن يسأل سبحانه شيئا بحقوق أحد من
خلقه عليه، وإن كان من عباده المكرمين الذين جعل لهم حقا عليه جزاء على
أعمالهم، ولا بجاهه عنده، وإن ثبت أنه جعل له وجاهة، فهذا السؤال إذا بدعة
ولكنه ليس شركا في هذه العبادة؛ لأن السائل قد توجه فيها إلى الله ودعاه وحده،
ولكنه ابتدع في دعائه بدعة أراد أن تكون سببا لإجابة السؤال، وهي إدخال شيء
في العبادة لم يأذن به الله بنص ولا فحوى، بل يدل الشرع والعقل على بطلانه، ذلك
بأنه ليس لأحد على الله تعالى حق إلا ما جعله هو له بفضله، وإن كان جزاء على
عمله فإثابته لعبيده فضل منه عليهم كما ثبت، وقد ورد في الصحيح من أن حق الله
على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم
الجنة، فهذا الحق لزيد العابد المخلص لله تعالى لا يصح أن يكون سببا لإجابة
سؤال عمر وشفاء مرضه، أو توسيع رزقه أو مغفرة ذنبه؛ لأن من أصول دين الله
المعقولة ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم:
38-39
) ، وكذلك ما جعل الله من الوجاهة بفضله لموسى عليه السلام، إذ قال
فيه: ﴿وكان عند الله وجيها﴾ (الأحزاب: 69) لا يعقل أن يكون سببا لمثل ذلك،
فالله تعالى قد جعل لكل شيء سببا، وليست هذه الوجاهة ولا تلك الحقوق من
أسباب ما ذكر، على أنها لو كانت منها لما صح أن تدخل في العبادة إلا بإذن منه
تعالى كما أذن بغير زيادة ولا نقص، نعم إن من الجاه والوجاهة الشفاعة وهي من
أسباب المغفرة، ولك أن تسأل الله أن يجعلك أهلا لشفاعة رسوله ويغفر لك بها،
ولكن لم يرد أنها سبب لمصالح الدنيا، ولم يكن الصحابة يطلبون من النبي - صلى
الله عليه وسلم - عند قبره ولا في حال البعد عنه في حياته أن يشفع لهم في شفاء
مرض ولا دفع ضرر ولا نزول مطر، ولا يسألون الله ذلك بجاهه - صلى الله عليه
وسلم - وقد طلبوا من عمه العباس أن يستسقي لهم بعده بدلا من استسقائه.
ولو كان هذا من عبادتهم لتواتر عنهم أو اشتهر برواية الشيخين وأصحاب
السنن؛ لتوفر الدواعي على ذلك.
فإن قيل: إن شرع ما لم يأذن به الله قد عد من الشرك، وعد من يقبله
ويعمل به من متخذي الشركاء والأرباب من دون الله في قوله تعالى: {أم لهم
شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى: 21) وقوله عز
وجل: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾ (التوبة: 31) الآية،
وقد فسر في الحديث المرفوع اتخاذهم أربابا بطاعتهم فيما يحلون لهم ويحرمون
عليهم، وطالما كرر المنار هذه المسألة، وفي تفسير هذا الجزء قول مفصل فيها.
قلنا: إن السؤال وارد، ولكن يفرق في مثله بين تنقيح المناط وتحقيق المناط،
فإن الشيء قد يكون بمقتضى الدليل شركا أو كفرا، ولا يعد كل من فعله مشركا أو
كافرا، كما نقلناه عن شيخ الإسلام (ص121 ج2) ، ولا يسأل ذلك السؤال من
يقوله من المسلمين إلا وهو يظن أنه مشروع، بتقليد، أو شبهة دليل على صحته،
كبعض الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة التي لا تدل عليها النصوص من هذا
القبيل، ولم يكفر السلف مسلما بها، كما فصلناه في الأجزاء التي قبل هذا، ومنهم
من يدخل هذه المسألة في باب الإقسام على الخالق بالمخلوق، وقد صرح الحنفية
بكراهته، قال أبو يوسف: وأكره أن يقول: بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك
وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام. والمراد كراهة التحريم، وقد فصل القول
في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (التوسل والوسيلة) وهو مطبوع
نقلنا بعض أقواله في المجلد الثاني عشر من المنار وغيره، فليراجع السائل ذلك في
موضعه.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>