تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

البهائية

بعد موت زعيمهم عباس أفندي

مات في أثناء هذا العام زعيم البهائية عباس أفندي بن بهاء الله إلههم

ومشترعهم، وكان يلقب نفسه، ويلقبونه بعبد البهاء اعترافا بألوهية والده، وقد

وقع الشقاق بينهم فيمن يخلفه فيهم، فإنه قد أوصى لرجل غير الذي أوصى له والده،

ولكل من الخليفتين حزب يتبعه، ويؤيده، ويخذل الآخر، ويفنده، وذلك صدع

لوحدتهم، وقد كان مثارا للعجب أن يوصي العبد بما يخالف أمر الرب، وإذا ظهر

السبب بطل العجب!

هذا الدين الجديد طور عصري لضلال الباطنية القديم، وكان عباس أفندي

أدهى مؤسسيه وناشريه، حتى إنه حظر إلى اليوم إظهار كتابهم الذي يسمونه

(الكتاب الأقدس) ؛ لأنه إذا تناولته الأيدي يتعذر نشر الدعوة في كل شعب وقطر بما

يناسب أفكار أهله وعقائدهم ومشاربهم؛ فإن أهل الحضارة في هذا العصر يكثر

فيهم المستقلون في الفكر، فلا يسهل أن تنشر فيهم دعوة إلى دين له أصل معروف:

كتاب يدعون أنه مقدس معصوم - إلا ويكون الحكم في هذه الدعوة لنصوص من

هذا الكتاب دون ما تزينه الدعاة من الدعاوي، وتزوره من الاختلاب، تستميل به

المستعدين، وتكتفي أمر المعارضين والمستعدين، وقد كان عباس جذيلهم المحكك،

وعذيقهم المرجب، وإنما كان والده البهاء شخصا يشغلون به الخيال، وينزهونه

عن القول والقيل والقال، فلا يسمح للناس برؤيته ولا بمراجعته ومرادته؛ لئلا

تعرفه الحواس والعقول، وتحكم له أو عليه بما يفعل ويقول، وكان عباس يخبر

عنه كل من اضطر إلى ذكره له، بما يرجو بفراسته أن يستحسنه، ويقبله شأنه

في الإخبار عن نحلتهم، والحكاية عن مذهبهم، أو طريقته، وقد سبق لنا ذكر

الشواهد على هذا.

قد خدع كثير من عقلاء المسلمين وأذكيائهم بنفاقهم ودهاء عباس أفندي، الذي

كان يدعي أنه من المسلمين المصلحين، فلا غرابة إذا انخدع غيرهم لهم، وإن

علموا كثيرا من أصول دينهم، وإذا كانوا من غير المسلمين العارفين بحقيقة الإسلام،

وأما من يعرف حقيقة التوحيد فيستحيل أن يقبل عقيدة وثنية، ومن يعرف ما كرم

الله به البشر، ورفع من شأن حريتهم بالإسلام فلا يعقل أن يرضى لنفسه بأن يكون

عبدا لبشر مثله كالزعيم الملقب بالبهاء.

وقد بلغني في هذه الأيام أن منهم أحمد أفندي صفوت صاحب الخطبة الذي

اقترح بها على المسلمين هدم نصوص القرآن والسنة والإجماع، والقياس، والأخذ

بمقاصد القرآن دون دلالة لفظه في الأحكام، وهي التي رددت عليها من قبل في

المنار، فظهر لي الآن سر ما فيها من النفاق والمراء غير المعهود من صحيح

العقيدة، ولا فاسدها من رجال القضاء، وسر اعتماد الإنكليز على صاحبها وندبهم

له لإصلاح القضاء في فلسطين، وأنه من كيدهم الخفي لهذا الدين، والبهائية

صنائعهم في كل مكان، ولا سيما العراق، وإيران، وقد كان لروحي أفندي من

بطانة الوكالة البريطانية في جدة دسائس كثيرة في الحجاز.

ومنهم (م. خ) الذي كتب مقالة جهلية في الخلافة، ووصف نفسه في

إمضائها بأنه من علماء الإسلام، وأنه وكيل جمعية حفظ الخلافة، فتصدى كثير من

العلماء للرد عليه، وأنكر بعضهم كونه عالما أزهريا مصريا، والحق أنه مصري

أزهري، ولكنه مضطرب، غير عالم، ولا مسلم، بل هو بهائي، وحسبنا - في

الرد عليه - أنه بهائي.

كانت الدولة العثمانية مشترطة على البابية - البهائية والأزلية - جميعا أن لا

يدعوا إلى دينهم في بلادها، وإلا أخرجتهم منها، فلم يكونوا يبثون دعوتهم إلا في

مصر، وبطريق المناظرة والمغالطة دون الجهر، وقد أصابت لجنة الدستور بعدم

إصغائها إلى طلبهم الاعتراف بدينهم كما طلبوا، فإن نص في الدستور المصري

على حرية كل دين، وإباحة كل دعوة فسترى مصر فتنا عظيمة من البهائية؛ لأنهم

يدعون العامة إلى دين جديد باسم الإسلام ممن يلبسون لباس علماء المسلمين،

ويدعون الإسلام، ولو صرحوا بدينهم، ودعوا إليه، ولم يحرفوا القرآن والسنة له

لهان أمرهم، وسنعود إلى الكلام في شأنهم، إن شاء الله تعالى.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٣ · الصفحة ٧٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٣ · ص ٧٩٨