خطاب مفتوح من روح الإسلام والجامعة العربية
إلى الشعب الإنجليزي والحكومة البريطانية
فعلتم ما فعلتم في الدولتين العثمانية والإيرانية، وكدتم ما كدتم للشعوب
العربية، فاتركوا لنا قبلة صلاتنا، ومشاعر حجنا، وأمهات مساجدنا، وقبر نبينا،
ولا تحسبوا أن الفرصة قد سنحت لكم للقضاء على ديننا، كما حسبتم حين أردتم
القضاء على دولنا، اغترارا بقوتكم وضعفنا، واجتماعكم وتفرقنا، فرب قوة أحالها
الغرور ضعفا، ورب ضعف أعطاه اليأس قوة وبأسا.
أردتم استعباد الشعب الأفغاني بفرصة زوال المعارضة الروسية، فحررتموه
وأنتم كارهون، وأردتم استعمار بلاد الشعب الفارسي بفرصة الحرب العظمى
فغادرتموه وأنتم عاجزون، وأردتم إماتة الشعب التركي بفرصة انكسار دولته
فأحييتموه وأنتم مرغمون، وخدعتم أكثر رؤساء الشعب العربي بالأموال، والتغرير
بالوعود والآمال، فسترون سوء العاقبة والمآل، وأنتم الغارمون الراغمون، إلا أن
ترجعوا عن سياستكم فيهم، قبل أن يخرج الأمر من يدكم، وأنتم بذلك جديرون.
اغتر العرب بوعودكم، ووثقوا بعهودكم، ووالاكم بعضهم على أهل دينهم،
وساعدوكم على احتلال أخصب بلادهم، فكان جزاؤهم منكم شرا من جزاء من
قاتلوكم بسيوفهم ومدافعهم، ولم تقفوا عند حد في النكاية بهم واتخاذ الوسائل
للاستيلاء على جزيرتهم بعقد المعاهدات السياسية والامتيازات في بلادهم، وإلقاء
العداوة والشحناء بين الشافعية والزيدية في اليمن، وبين السنية والشيعة في
العراق ونجد، وبتجديد شعوب آشورية وكلدانية في العراق لعدم نجاح إلقاء
الشقاق بين العرب والأكراد، وبإيجاد شعب يهودي في فلسطين، يعادي أهلها في
أمري الدنيا والدين، وأنتم مع هذا تمنون على العرب بتحريرهم من الرق،
وإنقاذهم من الترك، وتطالبونهم بالحمد والشكر، لأنهم في نظركم قوم لا يعقلون
﴿كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون﴾ (التكاثر: 3-4) .
ولم أر ظلما مثل هضم ينالنا ... يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر
لقد جئت أيتها الحكومة البريطانية في فلسطين بمثار شرور لم يأت بمثله
أحد من الظالمين، ألا وهو محاولة انتزاع شعب من وطنه أو وطن من أهله،
وإحلال شعب آخر في محله، وإيقاد نار العصبية الدينية بين اليهود والعرب وسائر
الأمة الإسلامية ومن يشايعها من الشعوب المسيحية، فإن غرض اليهود من تجديد
ملكهم في هذه البلاد لا يتم إلا بالاستيلاء على المسجد الأقصى لإعادة هيكل
سليمان، وإذا تمت لهم القوة لا يأمن المسلمون أن ينسفوه نسفا، فيذروا أرضه قاعا
صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ثم يبنوا بأنقاضه هيكلهم، ويذبحوا لدى
صخرته قرابينهم، فإذا عجز أهل فلسطين عنهم بنصركم إياهم وحمايتكم لهم،
فماذا يفعل سائر العرب والعالم الإسلامي بقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده
ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} (الإسراء: 1) ثم ماذا يفعلون بما
ورد في الأحاديث النبوية التي لا أذكرها لكم، لئلا تدعوا أنني أريد بها الإغراء
الذي تطرق سياستكم أبوابه، وتمهد له أسبابه، على أنها مشهورة في كتب السنة
التي يتداولها جميع علماء الملة.
أما يكفيكم رفع علمكم وعلم اليهود حيث ثالث الحرمين وأولى القبلتين،
حتى عمدتم إلى جعل الحرمين الشريفين تحت سيادتكم، ومهانين بالعدول عن
تأمين الله لهما إلى تأمينكم وحمايتكم.
أما ترحمون هذا الشيخ الكبير المستبد برأيه، المغرور بنفسه، المحتقر لقومه
وأهل ملته بالافتيات عليهم، بالتصرف بمهد دينهم وقبلة صلاتهم بدون إذنهم، الذي
ضحى نفسه في سبيلكم، غرورا بوعودكم وعهودكم، فأصبح عدوا لأمراء الجزيرة،
ومضغة في أفواه مسلمي المعمورة، تنبذه أفواههم وأقلامهم بالألقاب، ويكيدون له
الذم والتثريب بغير حساب، بما والاكم ونصركم، وتعهده ببذل ما جعلتم له من
النفوذ الصوري على تأييد نفوذكم في الحرم الثالث (الأقصى) وفي العراق، حيث