تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرح قاعدة

لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب

(2)

تتمة كلام شيخ الإسلام وهو في الاختلاف في الدين

ثم المختلفون المذمومون كل منهم يبغي على الآخر، فيكفر بما معه من الحق

مع علمه أنه حق، ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع علمه بأنه باطل، وهؤلاء

كلهم مذمومون، ولهذا كان أهل الاختلاف المطلق كلهم مذمومين في الكتاب والسنة،

فإنه ما منهم إلا من خالف حقا واتبع باطلا، ولهذا أمر الله الرسل أن تدعو إلى

دين واحد وهو دين الإسلام، ولا يتفرقوا فيه، وهو دين الأولين والآخرين من الرسل

وأتباعهم، قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك

وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على

المشركين ما تدعوهم إليه} (الشورى: 13) ، وقال في الآية الأخرى: {يا أيها

الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة

واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} (المؤمنون: 51-53) ؛ أي: كتبا اتبع كل قوم كتابا مبتدعا غير كتاب الله،

فصاروا متفرقين مختلفين؛ لأن أهل التفرق والاختلاف ليسوا على الحنيفية

المحضة التي هي الإسلام المحض الذي هو إخلاص الدين لله الذي ذكره الله في

قوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا

الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة: 5) ، وقال في الآية الأخرى: {فأقم وجهك

للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم

ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من

المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} (الروم: 30-32) ، فنهاه أن يكون من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا،

وأعاد حرف (من) ليبين أن الثاني بدل من الأول، والبدل هو المقصود بالكلام،

وما قبله توطئة له، وقال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة

سبقت من ربك لقضي بينهم} (هود: 110) إلى قوله: {ولو شاء ربك

لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (هود: 118-119) ، فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وقد ذكر في غير

موضع أن دين الأنبياء كلهم الإسلام، كما قال تعالى عن نوح: {وأمرت أن أكون

من المسلمين} (يونس: 72) ، وقال عن إبراهيم: {إذ قال له ربه أسلم قال

أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى

لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: 131-132) ، وقال يوسف:

{فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني

بالصالحين} (يوسف: 101) ، {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه

توكلوا إن كنتم مسلمين} (يونس: 84) ، وقال عن السحرة: {ربنا أفرغ علينا

صبرا وتوفنا مسلمين} (الأعراف: 126) ، وقال عن بلقيس: {رب إني ظلمت

نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} (النمل: 44) ، وقال: {يحكم بها

النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} (المائدة: 44) ، وقال:

{وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا

مسلمون} (المائدة: 111) ، وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد) وتنوع الشرائع لا يمنع أن يكون الدين

واحدا وهو الإسلام، كالدين الذي بعث الله به محمدا - صلى الله عليه وسلم - فإنه

هو دين الإسلام أولا وآخرا، وكانت القبلة في أول الأمر بيت المقدس، ثم صارت

القبلة الكعبة، وفي كلا الحالين الدين واحد وهو دين الإسلام، فهكذا سائر ما شرع

للأنبياء قبلنا، ولهذا حيث ذكر الله الحق في القرآن جعله واحدا وجعل الباطل

متعددا كقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٨٢