تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تاريخ هذا الجزء من المنار وما بعده

بدأنا بتحرير هذا الجزء وطبعه في أوائل رمضان، ثم عرض لنا في أواخر

رمضان وأوائل شوال من انحراف الصحة ومرض جميع الأولاد، وسهرنا على

تمريضهم ثم وفاة صغيرهم الهمام، ما اقتضى تأخير صدوره إلى آخر شهر شوال،

وقد بقي من المجلد أربعة أجزاء تصدر - إن شاء الله تعالى - في أواخر الأشهر

الآتية: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم وصفر، فيكون أول جزء من المجلد الثالث

والعشرين في ربيع الأول، كما صدر أول جزء من هذا المجلد فيه.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

ذو القعدة - 1339ه

أغسطس - 1921م

الكاتب: محمد الخضر بن الحسين

-----------------

<span class="footnote">

الخيال في الشعر العربي

(6)

الغرض من التخييل

عادة النفس الارتياح للأمر تشاهده في زي غير الذي تعهده به، والتخييل

يأتيها من هذا الطريق، فيعرض عليها المعاني في لباس جديد ويجليها في مظهر

غير مألوف.

فللتخييل فائدة عامة لا تتخلى عنه وهي تحريك نفس السامع لتلقي المعنى

بارتياح له وإقبال عليه، ولو كان من قبيل الحديث المألوف أو المعلوم بالبداهة،

وانظر إن رمت الثقة بهذا إلى قول الشاعر:

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح

فالمعنى الذي صيغ البيت لتأديته أننا أخذنا نتناوب الحديث والإبل تسير

مسرعة في الأباطح، وهذا كما رأيته معنى مبذول وحديث لا يختص به عابر سبيل

دون آخر، ولولا أن الشاعر أورده في هذه الصورة التي خيلت إليك بطاحا تتدفق

بسيل من أعناق المطايا - لم ينل عندك هذا الموقع من الحظوة والاستحسان.

قد يكون للمعنى في ذاته وجه يدعو نفس السامع إلى النفور عنه، وصناعة

التخييل تبقي له أثرا لذيذا في النفس، فتأتيها اللذة من ناحية غير الناحية التي

يجيء منها النفور، فلو سمع أشياع ابن بقية قول عمارة اليمني شامتا به وهو

مصلوب:

ونكس رأسه لعتاب قلب ... دعاه إلى الغواية والضلال

لوجدوا لهذا البيت في أنفسهم ألما بليغا يدخل عليها من جهة القدح في كرامة

رجل امتلأت صدورهم بإجلاله، وهذا الألم لا يمنع من أن يبقى للبيت في نفوسهم

أثر لذة تسري إليها من جهة التخييل، وإن كانوا لها كارهين، ومما قلت في بعض

الخاطرات: قد يهذب السياسي حاشية ظلمه فيكون كالبيت البليغ يؤثر في نفس من

يهجي به لذة وألما.

قد يبدو لك أن هذه الفائدة العامة إنما تتحقق فيما إذا كان المعنى معروفا للسامع

من قبل التخييل، كوصف حال القمر والكواكب والبرق والسحاب والرياض

والأنهار، والمقلة والثغر، والقلم والدواة، أو حال الرجل من كرم وشجاعة وعلم،

وغيرها من الخصال. إذ يصح أن يقال: إن التخييل قد عرض على السامع هذه

المعاني في صور حديثة. وأما الوقائع والأحوال المجهولة فلم يعرفوا لها صورة من

قبل حتى تعد الصورة الخيالية جديدة، وتحدث في النفس لذة زائدة عن لذة العلم

بأصل المعنى.

والجواب أن المعنى الذي تتلقاه من الشاعر دون أن تسبق لك معرفة به قد

يلقيه إليك بوجه صريح، ثم يدخل به في الخيال كما هي الطريقة الشائعة في

التشبيه والتمثيل، وعد التخييل في هذا صورة جديدة بالنسبة إلى الصورة التي

نقشها التصريح أولا مما لا تعتريك فيه شبهة.

وقد يلقيه لأول الخطاب في صورة خيالية، وهذا مما يصح عده في الصور

المستجدة، إذ للمعاني صور أصلية وهي التي ترتسم في النفس لأول ما تدرك

المعنى بمشاهدة أو وجدان، فالنفس تشعر حال تلقيها للصورة الخيالية أن للمعنى

الذي تحمله إليها صورة أخرى هي الصورة البسيطة التي يعبر عنها بالقول

الصريح.

ولعلك تقول بعد هذا: إن صور المعاني تختلف ما اختلفت العبارات سواء

كانت تصريحية أو تخييلية، فالصورة التي يعطيها قولك: زيد يكتب، غير

الصورة التي يفصح عنها قولك: زيد يخط بالقلم على القرطاس، وكل منها صريح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٢١