شوال - 1341ه
يونيه - 1923م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الحلف بالطلاق - وأنواط النقود
(س19و20) [*] من الأستاذ السيد طلحة المدرس في الكلية المشرقية في
لاهور بنجاب (الهند) :
إلى حضرة الفاضل الجليل منشئ المنار الأغر متع الله المسلمين بطول حياته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد فإن صيت علمكم رحمكم الله وخدماتكم
الدينية حملنا على أن نكلفكم بالإفتاء في حادثة ونرجو من فضلكم أن تمنوا علينا
بجواب هذا المكتوب:
صورة المسألة:
استحلف زيد عمرا بأنك لا تقاطعني ولا تهاجرني طول حياتك ولا تؤثر أحدا
علي وقل: لو فعلت ذلك فكلما تزوجت امرأة فهي طالق - فحلف عمرو ثم حنث.
لعل جنابكم تستدلون بحديث الترمذي رحمه الله: (لا طلاق فيما لا يملك) إلخ.
فالحديث حسن ليس بصحيح، ومع هذا فإن ابن الهمام نقل في فتح القدير أن
الشعبي وسالما والزهري قالوا: إن معنى الحديث في التنجيز لا في التعليق. وبعض
الروايات التي تدل على التعليق فكلها مجروحة كروايات الدارقطني في الباب، ونقل
الترمذي قول البخاري: إن الحديث المذكور أصح شيء في هذا الباب.
فإن المبتلى بهذه المسألة في غاية الضيق والشدة، فالمرجو من جنابكم أن تمنوا
علينا بجواب شاف كاف بالأحاديث الصحاح. فإن كتب الحديث في الهند قليلة ليس
يوجد إلا الكتب المتداولة. وفي مصر لم تزل كتب الحديث كثيرة منذ زمن قديم.
والمسألة الثانية مسألة النوط Note هل تكلم فيه أستاذكم الإمام؟ أو أحد من
العلماء الأفاضل؟ أو سنح لكم شيء فيه؟ والسلام.
الجواب عن مسألة الحلف بالطلاق:
إن أمهات كتب الحديث موجودة في الهند، ومنها ما طبع فيها ولم يطبع في
مصر، وقلما يوجد في غير الأمهات وشروحها ما يثبت به حكم بالنص، وقد ورد
في هذه المسألة عدة أحاديث وآثار في الكتب المشهورة لمجموعها من القوة ما ليس
لآحادها مع ضعف القياس المعارض بها، فأما حديث الترمذي الذي ذكره السائل فقد
رواه أحمد وسائر أصحاب السنن والبزار والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا
يملك ولا طلاق له فيما لا يملك) وقال البيهقي كالبخاري: هو أصح شيء في هذا
الباب وأشهر. ولا يخفى على السائل أن سبب إسقاطهم لحديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده عن مرتبة الصحة أن جل حديثه عنه كتاب لا سماع، قال ابن
معين: ومن هنا جاء ضعفه. وتضعيفهم لما روي كتابة من المسائل الفنية التي لا
تؤخذ على إطلاقها. فمن وثق بالمكتوب ولم يكن عنده فيه شبهة فله أن يفضله على
المسموع؛ لأنه يأمن فيه من الخطأ. والتحقيق فيه ما قاله الحافظ ابن حجر وقد ضعفه
ناس مطلقا ووثقه الجمهور، وضعف بعضهم روايته عن أبيه عن جده، ومن ضعفه
مطلقا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده، فأما روايته عن أبيه فربما دلس ما في
الصحيفة بلفظ (عن) فإذا قال: (حدثني أبي) فلا ريب في صحتها كما يقتضيه
كلام أبي زرعة إلخ، وقد قال الترمذي في مضمون هذا الحديث: إنه قول أكثر أهل
العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وقال الخطابي: وأسعد الناس
بهذا الحديث من قال بظاهره وأجراه على عمومه اه. أي في التنجيز والتعليق.
وروى ابن ماجه عن المسور بن مخرمة مرفوعا: (لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل
ملك) وقد حسنه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، ورواية الزهري إياه عن
عروة عن المسور وعنه عن عائشة ليس من العلل التي تقتضي رده. وروى الحاكم
في المستدرك عن جابر مرفوعا: (لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك)
صححه وقال: وأنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه، وقد صح على شرطهما من
حديث ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عباس وجابر. اه.
وقد نقل القاضي الشوكاني ما قيل في علل هذه الروايات ثم قال: (ولا