الأهل والعيال
وهو فصل من كتاب (الأخلاق والواجبات)
للمغربي
ذكرنا في الفصول السابقة واجبات الشخص منفردا، ونريد أن نذكر في
الفصول التالية واجباته مجتمعا مع غيره من أبناء جنسه، وأول اجتماع له من هذا
القبيل اجتماعه مع أهله وعياله. وأهله: زوجته، وعياله: أولاده، وإذا كانوا أغنياء
انضم إليهم خادم يكفيهم مؤونة العمل، ويقال للمجموع المؤلف من هؤلاء الأفراد في
اللغة العربية: (عيل الرجل) - بتشديد الياء - وفسروه بقولهم: هم أهل بيته
الذين يتكفل بهم ويمونهم من أزواج وأولاد وأتباع، وقد اصطلح كتاب هذا العصر
على تسميتهم بالعائلة، مع أن كلمة (عائلة) في أصل وضعها اللغوي بمعنى فقيرة
تأنيث (عائل) فقير، و (العيلة) الفقر، و (عال) افتقر.
وبحث الواجبات العائلية يتضمن بيان ما يجب على الشخص نحو أفراد عائلته
المذكورين، ويدخل فيهم أحيانا من يعوله من غيرهم كأبيه وأمه أو يتيم يكفله أو
امرأة تأوي إلى كنفه، وتعيش على نفقته.
وقد وجدت العائلة على وجه البسيطة من يوم وجدت المرأة بجانب الرجل،
وولدت له أولادا، والأعمال التي يراد لها كل من الرجل والمرأة في عائلتهما
تختلف باختلاف حال الأمة التي يعيشان فيها بداوة وحضارة، رقيا وانحطاطا،
ويغلب في الأمم المتحضرة أن تكون وظيفة المرأة إدارة الأعمال البيتية، كما تكون
وظيفة الرجل العمل خارجه، فهو يشتغل ويتعب ويستثمر أتعابه ثم يلقي بهذه
الثمرات إلى زوجته، ويتكل في هنائه العائلي وراحته المنزلية عليها، فالزوجة
هي الرئيسة العاملة في المنزل، أما الزوج فهو بمثابة رئيس شرف له، وقد جاء
التصريح بذلك في الحديث الشريف مذ قال - صلى الله عليه وسلم -: (كل نفس
من بني آدم سيد: فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها) .
فانظر كيف جعل سيادة البيت للمرأة وخصها بها، وإن كان لرجلها سيادة
أخرى لا تنكر، وإذا كانت المرأة هي سيدة البيت ورئيسته كان من أول واجبات
الزوج أن يحسن انتخاب تلك الرئيسة، فيختارها من ذوات العقل والدين والتربية
الصالحة، فإنها إذا توفرت فيها هذه الشروط أصبح المنزل فردوس الرجل،
ومظهر كرامته في قومه، والمنبت الخصب لذريته وأولاده، ومن ثم كان للمنزل
والعائلة المقام الأول في نظر علماء الاجتماع، حتى جعلوا نظام الحياة المنزلية
أساسا لنظام الحياة الاجتماعية في الأمة كلها، فإذا فسد النظام الأول فسد النظام
الثاني، وانحطت الأمة على أثره، والعكس بالعكس.
قالوا: وإذا دخلت إحدى المدن كان لك أن تحكم على ارتقاء العائلة فيها
بمجرد نظرك إلى حالة سكانها وما هم عليه من الأطوار والأخلاق في أسواقهم
وحوانيتهم ومحافلهم وقهاويهم وسائر مظاهرهم الاجتماعية، فإذا رأيتهم هنا على
نظام أدبي ثابت حكمت باستحكام النظام الأدبي في بيوتهم وعائلاتهم؛ لأن هذا
أصل ذاك، وإلا فلا.
قلنا آنفا: إن (المنزل) هو المغرس الأول للذرية والأولاد، فهم ينقلون منه
إلى المغرس الثاني - أعني (المدرسة) - ومنها إلى ساحة التجارب والعمل والسعي
في خدمة أمتهم ووطنهم، فإذا طابت تربة المغرس الأول (العائلة) طابت إذ ذاك
ثمار أبناء الأمة، وغزرت محصولات عقولهم وأخلاقهم، وإن خبثت تلك التربة
خبثت الثمار، وقبحت الآثار، وساءت الأخبار.
وقال بعض علماء الاجتماع المعاصرين: إن أحقر المنازل إذا تولت رئاسته
امرأة مدبرة بشوش كان ملؤه الراحة والهناء والسعادة، وكان فيه أشرف العواطف
العائلية، كان عزيزا لدى الرجل لما يستلزمه من دواعي السرور، كان ملاذا للقلب
وملجأ من عواصف الحياة، كان خير مكان للراحة من عناء الأشغال ومتاعب
الحياة، كان في الشدة مسليا وفي الرخاء فخرا، وفي كل حال نعيما، فالمنزل
الصالح إذن خير معاهد التربية لا للشباب وحده بل للكهل أيضا، وفيه يتعلم الشاب
والكهل البشاشة والصبر وضبط النفس وتدرك روح الحياة ومعنى الواجب.