الكاتب: محيي الدين آزاد
-----------------
<span class="footnote">
الخلافة الإسلامية
ألفه باللغة الأوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة (الهلال) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة (بيغام) الهندية
فصل
واقعة الإمام الحسين عليه السلام
ولمعترض أن يقول: لو كانت طاعة الخليفة واجبة في كل حالة - كما ذكرت-
لما خرج الإمام الحسين على خلافة يزيد بن معاوية، ولما عدته الأمة محقا
وشهيدا مظلوما!
والجواب على هذا أن الإمام لم يحارب أهل الشام في ذلك الحين الذين كان
يدعي الإمامة لنفسه، ولطلب الخلافة دون يزيد، والذي يعتقد غير هذا فكأنه لم
يطلع على واقعة كربلاء كما ينبغي، ويجب أن يفرق الناس بين الحالتين: حالة
خروجه من المدينة، وحالة قتله بكربلاء؛ فإنهما مختلفتان اختلافا كليا، ولهما
حكمان مختلفان في الشريعة.
فالحالة - التي كانت عند خروجه من المدينة - أن حكومة يزيد لم تكن
تمكنت بعد، ولم تتم بيعته بالخلافة في المراكز الإسلامية المهمة والعواصم
والقصبات، ولا اجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين؛ لأن صوت أهل
المدينة كان من الأول أقوى الأصوات في مسألة الخلافة؛ لكونهم كانوا في العاصمة
الإسلامية، وفيهم أهل الحل العقد، ثم لما انتقلت العاصمة في زمن علي عليه
السلام إلى الكوفة - أصبح للكوفة شأن عظيم في السياسة، فلما خرج الإمام كانت
المدينة غير متفقة على يزيد، أما الكوفة فجميع أهلها كانوا ضده، وكانوا يلحون
على الإمام أن يقوم للخلافة، ويأخذ بيعتهم عليها، فالحسين عليه السلام لا حرص
على الخلافة، ولا خرج على الإمام، بل قام في الحين الذي توفي خليفة المسلمين
فيه، وخلا محله، ولم يتمكن أحد في مقامه تمام التمكن، مجيبا لطلب الجم الغفير
من المسلمين الذين كانوا في المراكز المهمة - مثل أهل الكوفة والعراق - ولا
ريب أنه كان يراعي في قيامه مصلحة كبيرة أخرى أيضا، وهي صون الأمة من
مثل يزيد وخلافته.
وإن قيل: إن معاوية كان عهد بالولاية إليه، فما كان يجوز للإمام أن يخرج
عليه؟ ، فجوابه أن الشريعة لا تعتبر عهد الأب إلى ابنه بالخلافة شيئا؛ ولذلك لما
ألح معاوية على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بأن يبايع يزيد - قال: (لا
أبايع لأميرين) (رواه ابن حبان ونقله في الفتح) .
وإن سلمنا جدلا أن هذا العهد معتبر وصحيح فلا يعتد به ما لم تتمكن الحكومة؛
إذ الشرط الجوهري للخلافة - كما علمت - انعقاد الحكومة، فمن انعقدت حكومته
فقد صحت خلافته، وإلا فلا.
فهذه الحالة كانت عند خروجه من المدينة، ولكن تغيرت عند وصوله الكوفة؛
لأن أهلها بايعوا يزيد على يد ابن زياد، وقلبوا للإمام ظهر المجن، كما فعلوا مع
أبيه من قبل، فلما رأى - عليه السلام - أن الناس دخلوا في طاعة يزيد، وتمكنت
حكومته - أقلع عن المطالبة بالخلافة، وعزم على أن يعود إلى المدينة، إلا أن ابن
سعد وجيشه لم يسمح له بذلك، بل حاصره، وحاول أسره وأهله وحرمه، فقال لهم
الإمام: (خلوا سبيلي؛ لأذهب إلى دمشق، فأخاطب يزيد في شأني) ، ولكن
الظالمين أبوا إلا أسره.
فلم يكن للإمام حينئذ إلا طريقان: إما أن يسلم نفسه وأهله إلى هؤلاء الطغاة،
وإما أن يستشهد بطلا مغوارا، والشريعة لم تجبر أحدا على أن لا يدافع عن نفسه،
ويدعها أكلة للآكلين، فاختار - عليه السلام - الطريق الثاني بالشجاعة الهاشمية،
وكمال العزيمة، واستشهد مظلوما!
فتأمل في هذه الحالة؛ فإنها غير ما كانت عند خروجه من المدينة؛ فإنه إذ
ذاك كان مطالبا بالخلافة، أما في كربلاء فلم يكن مدعيا لها، ولا محاربا لأجلها،
بل كان معصوما، طاهرا زكيا، وقع في مخالب الظلمة الأشقياء، الذين لا يعرفون
الحق ولا الإنسانية، فأبت نفسه الأبية أن تخضع لهم، وتذل أمامهم، فقام وجها
لوجه يدافع عن شرفه وناموسه؛ فقتل ظلما وعدوانا وبغير حق، ومن العجيب أن
الناس من قرون يخطئون في فهم هذه الواقعة، مع أنها واضحة، ومن أراد التوسع
فعليه (بمنهاج السنة، ج 2) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
***
فصل
شرط القرشية
قد علمت - مما مر - أن الخليفة إذا انتخب فله شروط، وقد ظل العلماء إلى
زمن طويل يحسبون منها القرشية أيضا، أي إن الخليفة مع سائر الشروط يجب أن
يكون قرشيا، وإلا لا تصح خلافته، هذا في صورة الانتخاب، أما إذا استولى
عليها مستول فلا ينظر فيه إلى شرط ما إلا الإسلام وانعقاد حكومته، ولا خلاف في
أنه لم توجد بعد الخلافة الراشدة خلافة جامعة لسائر الشروط؛ فخلافة بني أمية
وبني العباس إن كانت قرشية فقد كانت فاقدة لشروط أخرى كثيرة، سيما الشرط
الأساسي لها، وهو أن تكون بانتخاب الأمة، لا بالسيف والدم، وهذا الشرط لم
يوجد في أي خلافة بعد الخلافة الراشدة [1] ، ثم بعد هذا الشرط يشترط أن يكون
الخليفة عادلا، غير مستبد، يحكم برأيه بالشورى، ويسير على كتاب الله وسنة
رسول الله وسنة الخلفاء الراشدين، ومعلوم أنه لم يكن أحد من الخلفاء هكذا غير
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه [2] ، وقد استولى الأعاجم على الحكومة بعد
العباسيين، ثم انتقلت الخلافة من العباسيين - الذين كانوا بمصر - إلى الترك
والعثمانيين، فهي فيهم من ذلك الحين إلى الآن بلا نزاع، وقد أجمعت الأمة
الإسلامية على طاعة هذه الخلافة العثمانية [3] ، وتحسب السلاطين العثمانيين خلفاء
من قرون عديدة، فإن كان خلفاء بني أمية وبني العباس فاقدين لخمسة شروط مثلا،
فنفرض الخلفاء العثمانيين فاقدين لسبعة شروط، فإذا لم يضر بالأولين فقدان هذه
الشروط فكيف يضر بالآخرين؟ ! ، فإن كان العثمانيون ليسوا من العرب، ولا
قريش فلا يقدح به في خلافتهم؛ لأن المسألة هنا ليست مسألة انتخاب الخليفة حتى
ينظر في شروطه، وإنما الذي يهم في هذه الصورة هو أن يقوم قائم بالخلافة
والحكومة الإسلامية؛ لئلا يضطرب أمر الأمة، ويصبح فوضى؛ فلذا لا أهمية
لشروط الخلافة ههنا، وجدت أو لم توجد.
ومن شروط الخلافة المتفق عليها (الحرية) ، أي يجب في الخليفة أن يكون
حرا لا عبدا، ولكن العبد إذا تغلب بشوكته وقوته، وقامت حكومته - فلا خلاف
في أن طاعته واجبة، ولا يوجد مثال في تاريخ الأمم بأسرها إلا في الأمة الإسلامية-
أن العبيد صاروا فيها أئمة وملوكا وقوادا! وخضع لهم المسلمون من العرب
والعجم بلا عذر ولا إنكار، والأحاديث النبوية أكبر شاهد على ذلك؛ فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن
رأسه زبيبة، وفي رواية مسلم عن أبي ذر: وإن كان عبدا مجدع الأطراف) ،
وفي رواية ابن حصين: (ولو استعمل عليكم عبد - يقودكم بكتاب الله - اسمعوا
وأطيعوا له) ، والنواوي يقول في شرحه: والمراد أخس العبيد، اسمع وأطع،
وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان عبدا أسود مقطوع الأطراف، فطاعته واجبة،
ويتصور إمارة العبد إذا ولاه بعض الأئمة، أو تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه،
ولا يجوز ابتداء عقد الولاية له مع الاختيار، بل شرطها الحرية (ج2: 125) ،
وفي فتح الباري: (لو تغلب حقيقة - بطريق الشوكة - فإن طاعته تجب إخمادا
للفتنة) (13: 109) .
فمادام هذا النواوي - الذي هو من أكبر أنصار القرشية - يقول بنص هذا
الحديث: إن إمارة العبد مهما كان دنيء النسب خسيس الحال - صحيحة في
صورة الاستيلاء والغلبة، فكيف يعترض على الخليفة العثماني القائم المتمكن بكونه
ليس من قريش؟ ! ، إن سلمنا أن القرشية شرط ضروري للخلافة [4] .
والحقيقة أن البحث في شروط الخلافة لا علاقة له بالمسألة التي نحن بصددها،
إلا أننا لا نرى بأسا في أن نتكلم على شرط القرشية؛ إذ هو مزلة لأقدام كثير من
الناس.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) هذا مبالغة، والواقع أن بدء خلافتهما كان بالقوة، لا خلافة كل فرد منهما.
(2) هذا الحصر غير صحيح على إطلاقه.
(3) دعوى الإجماع ممنوعة.
(4) لا شك في أن صديقنا - مؤلف هذه الرسالة - لا غرض له من تأليفها إلا تأييد الخليفة العثماني التركي، وإثبات صحة خلافته، ووجوب طاعته شرعا، وهذا الغرض لم يوضع موضع خلاف جديد لأجل القرشية، فيحتاج في تأييده إلى التحريف والإيهام، الذي ارتكبه في نقل نصوص العلماء، والتصرف فيها، وهو غافل عن الحقائق الواقعة في هذا العصر، وأهمها أن الخليفة العثماني في حكم الأسير المحجور عليه من سلطة أجنبية غير إسلامية، وأن القوة المتغلبة في الأمة التركية خصم له، وإنما يمثلها مصطفى كمال باشا؛ فهو الذي تجب طاعته إذا أمر أو نهى بحسب القاعدة التي ذكرها، وإن لم يتحل بلقب الخلافة! ! ! ، وهذا اللقب ليس بواجب شرعا، وبمقتضى هذه القاعدة يجب طاعة كل متغلب بالقوة أينما كان، ومهما يكن لقبه، وإن تعدد، وعليه الحكومات الإسلامية في الشرق كالفرس والأفغان، وفي الجنوب كاليمن ونجد، وفي الغرب كمصر ومراكش، فالخليفة العثماني غير متغلب عليها، ولا أمر له فيها ولا نهي فيطاع أو يعصى، سواء منها ما سيطرت عليه دولة أجنبية، وما لا سيطرة عليه لأحد، والمعترف بهذه الخلافة وغيره والعمل بهذه القاعدة هو الذي أضاع الخلافة الصحيحة المستوفاة الشروط؛ إذ وجد في كل عصر من يؤيد كل متغلب مهما تكن
حاله، وجعلوا الضرورة العارضة أمرا شرعيا ثابتا، والذنب الأكبر في هذه السنة السيئة على معاوية الذي سنها؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة على أن أكثر خلفاء بني أمية وبني عباس كانوا قائمين بأهم واجبات الخلافة: من نشر الإسلام، وحماية دعوته، والجهاد في سبيلها، وإقامة الحدود، والحكم بالشرع في كل شيء وإنما كان أكثر ظلمهم في التصرف في أموال الأمة، وفي التنكيل بمن يتصدون لنزع السلطة منهم، وأقله في أمور اجتهادية أخطأوا فيها، كحمل الناس على القول بخلق القرآن وإذا مارى المؤلف في الإجماع على شرط القرشية فهل يماري في الإجماع على الحرية، وهل يجهل أن المتغلبين (حكمهم حكم البغاة وقطاع الطرق؛ فلا يعتد بهم) كما صرح به الحافظ ابن حجر في شرح حديث ابن عمر: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) من شرحه للبخاري؟ ! ، إنه لا يجهل ذلك وإنا ندعو كل مسلم يستطيع أن ينصر الترك - على أعدائهم المعتدين على ملكهم، أو يساعدهم عليهم ولو بالمال - أن يفعل؛ لأنهم مسلمون معتدى عليهم، وإذلالهم إذلال للإسلام، لا لأجل وجود الخليفة فيهم، وإلا فإن هذا الخليفة حكم - بفتوى من شيخ الإسلام عنده - بأن الكماليين خارجون عليه يجب قتالهم، فأنكر السواد الأعظم من المسلمين عليه ذلك، وكان عطفهم على الكماليين عاما، ومساعدتهم لهم بالمال ترد من كل قطر، وقد كان لانتصارهم على اليونان من السرور والابتهاج في الشرق والغرب ما لم يسبق لمثله نظير، ولو أطاعوا هذا الخليفة - كما يوجب عليهم المؤلف - لاستأصلوا الكماليين؛ ذلك بأن قاعدة السياسة العامة هي ترجيح المصلحة العامة، ولا نحتاج فيها إلى الخروج عن الأحكام الشرعية الإجماعية، أو القريبة من الإجماعية بقوة أدلتها، وضعف الخلاف فيها.</span></span>