ربيع الآخر - 1339ه
يناير - 1921م
الكاتب: محمد عبد العزيز الخولي
-----------------
<span class="footnote">
تاريخ فنون الحديث
(2)
إفراد الحديث بالتأليف من مبتدأ القرن الثالث
في أول هذا القرن أخذ رواة الحديث في جمعه طريقة غير التي سلفت؛ فبعد
أن كانوا يجمعونه ممزوجا بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، أخذوا يفردونه بالجمع
والتأليف، ثم من أئمة الحديث من جمع في مصنفه كل ما روي عن الرسول -
صلى الله عليه وسلم - من غير تمييز بين صحيح وسقيم، ومنهم من أفرد الصحيح
بالجمع؛ ليخلص طالب الحديث من عناء السؤال والبحث، وكان أول الراسمين
لتلك الطريقة المثلى شيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري، فجمع في كتابه
المشهور ما تبين له صحته، وكانت الكتب قبله ممزوجا فيها الصحيح بالعليل بحيث
لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته
والوقوف على سلامته من العلل، فإن لم يكن من أهل البحث، ولم يظفر بمن يتعرف
منه درجته بقي ذلك الحديث مجهول الحال عنده، واقتفى أثر البخاري في ذلك
الإمام مسلم بن الحجاج القشيري وكان من الآخذين عنه، ثم ارتسم خطتهما كثيرون.
وإن ذلك القرن الثالث لأجل عصور الحديث وأسعدها بخدمة السنة، ففيه
ظهر كبار المحدثين وجهابذة المؤلفين وحذاق الناقدين، وفيه أشرقت شموس الكتب
الستة التي كادت لا تفلت من صحيح الحديث إلا النزر اليسير، والتي عليها يعتمد
المشرعون، وبها يعتضد المناظرون، وعن محياها تنجاب الشبه وبضوئها يهتدي
الضال، وببرد يقينها تثلج الصدور.
وبانسلاخ هذا القرن يكاد يتم جمع الحديث وتدوينه، ويبتدئ عصر ترتيبه
وتهذيبه، وتسهيله على رواده وتقريبه.
وقبل أن نأتي على المشهور من كتب السنة في هذا القرن نعقد فصلا نكشف
فيه عن طرق التصنيف في الحديث حتى نكون على بينة من تأليفه:
طرق التصنيف في الحديث
للعلماء في تصنيف الحديث وجمعه طريقتان (إحداهما) التصنيف على
الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيره، وتنويعه أنواعا، وجمع ما ورد في
كل حكم وكل نوع في باب بحيث يتميز ما يتعلق بالصلاة مثلا عما يتعلق بالصيام،
وأهل هذه الطريقة منهم من اقتصر على إيراد ما صح فقط كالشيخين، ومنهم من لم
يقتصر على ذلك كأبي داود والترمذي والنسائي، (ثانيتهما) التصنيف على
المسانيد، وهو أنه يجمع في ترجمة كل صحابي [1] ما عنده من حديثه سواء كان
صحيحا أو غير صحيح، ويجعله على حدة وإن اختلفت أنواعه، وأهل هذه
الطريقة منهم من رتب أسماء الصحابة على حروف المعجم كالطبراني في المعجم
الكبير، والضياء المقدسي في المختارة التي لم تكمل، وهذا أسهل تناولا، ومنهم
من رتبها على القبائل فقدم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم في النسب، ومنهم من رتبها على السبق في الإسلام، فقدم
العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم
من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سنا، وختم بالنساء، وقد سلك ابن حبان في
صحيحه طريقة ثالثة مرتبة على خمسة أقسام وهي: الأوامر، والنواهي، والأخبار،
والإباحات، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ونوع كل واحد من هذه الخمسة
إلى أنواع، والكشف في كتابه عسر جدا، وقد رتبه بعض المتأخرين على الأبواب،
وعمل له الحافظ أبو الفضل العراقي أطرافا [2] ، وجرد الحافظ أبو الحسن
الهيتمي زوائده على الصحيحين في مجلد.
ولهم في جمع الحديث طرق أخرى (منها) جمعه على حروف المعجم،
فيجعل مثلا حديث: (إنما الأعمال بالنيات) في حرف الألف، وقد جرى على
ذلك أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وابن طاهر في أحاديث كتاب الكامل
لابن عدي، (ومنها) جمعه على الأطراف، وذلك بأن يذكر طرف الحديث، ثم
يجمع أسانيده إما مع عدم التقيد بكتب مخصوصة أو مع التقيد بها، وذلك مثل ما