محاربة البدع
مشيخة الجامع الأزهر
أرسل إلينا الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر رسالة بهذا العنوان مع كتاب
خاص منه ذكر فيه أنه سئل عما يسميه بعض أهل الطرق (اسم الصدر) ، فأجاب
بكتابة هذه الرسالة أو الفتوى، وأرسلها إلينا لأجل نشرها تعميما للفائدة وإرشادا
للأمة، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، أما بعد، فإنكم تسألون عما يفعله الآن بعض أهل
الطرق من أبناء هذا العصر، من اجتماعهم صباح مساء، يرددون لفظ (أه، أه)
يعتقدونه اسما من أسماء الله، ويقولون: إنهم بذلك يذكرون الله سبحانه ويسمون
ذلك: (اسم الصدر) .
والجواب: أن هذا اللفظ المسئول عنه (أه) بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس
من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقا، وإن كان بالمد
فهو إنما يدل في اللغة العربية على معنى التوجع، وليس من أسماء الذوات، فضلا
عن أن يكون اسما من أسماء الله الحسنى التي أمرنا أن ندعوه بها، كما قال تعالى:
{ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما
كانوا يعملون} (الأعراف: 180) وقوله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن
أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} (الإسراء: 110) .
وقد أجمع العلماء على أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية [1] ، ولا يجوز لنا
إطلاق اسم عليه تعالى أو صفة لم يكن ورد بها الشرع، كما أنهم أجمعوا على أنه
لا يجوز لنا التعبد بشيء لم يرد الشرع بجواز التعبد به.
ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج من هذه الدار حتى أكمل الله
لنا على يديه الدين، وأتم لنا النعمة، كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم
وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3) وفي الصحيحين
عن عائشة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو رد) وفي لفظ: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي
صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في
خطبته: (إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور
محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) [2] ، ومن تأمل قوله تعالى: {وذروا الذين يلحدون
في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} (الأعراف: 180) وتدبر هذا الوعيد
الشديد اقشعر جسمه أن يذكر الله أو أن يدعوه بعد ذلك بغير أسمائه التي سمى بها
نفسه، وأذن لنا في تسميته بها على يد رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والإلحاد
في الأسماء هنا على ثلاثة معان: الخروج بها عما وضعت له من المعنى الشرعي،
تحريفها عن لفظها الوارد شرعا، إدخال ما ليس منها فيها كموضوع السؤال،
وكما نقل المفسرون هنا من علماء اللغة أن الملحد العادل عن الحق، والمدخل فيه
ما ليس منه.
فثبت بذلك بطلان عمل هؤلاء العوام الذين انتشروا في المدن والقرى يجمعون
الناس، ويعقدون المجالس على ذلك ويتخذون ذلك وردا موقوتا زاعمين أنهم
يتقربون بذلك إلى الله، وفي ذلك إضلال للعامة ونشر لسنة سيئة فيهم؛ لأنه تعبد
بما لم يتعبدنا الله به، وتسمية لله بغير أسمائه، نعوذ بالله من فعل ذلك أو الإعانة
عليه أو السكوت عنه.
ومهما قال زعماء تلك البدعة من قولهم: إنهم وجدوا مشايخهم كذلك. فليس في
ذلك برهان لهم في الدنيا، ولا مخلص لهم عند الله يوم القيامة من عذابه، كيف وقد
قال علماء الصوفية أنفسهم: كل ما لم يستند إلى الكتاب والسنة فهو باطل؟ وقالوا:
إذا لم يستند كشف الولي إلى الكتاب والسنة فهو كشف شيطاني. لا: الولي غير
معصوم. وورد مثل هذا القول أيضا عن أبي الحسن الشاذلي - رضي الله عنه -،
وأجمعوا على أنه لا يجوز العمل بالكشف ولا الإلهام والمشاهدة إلا بعد عرضه على
الكتاب والسنة، وما يقولونه أيضا من الاستدلال على بدعتهم هذه بقوله تعالى:
﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ (التوبة: 114) فليس من الاستدلال في شيء، بل هو