الخوارج والإباضية
راجعنا بعض أهل العلم فيما جاء في الجزء الرابع من رسالة (أهل
الصفة) لابن تيمية (276) من قتال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه
للمارقين، قال: إنه يدل على أن المراد بهم الخوارج ويخشى أن يكون في
نشر هذا تفريق بل إغراء بينهم وبين جيرانهم ... فقلنا: إن شيخ الإسلام بين
في المنهاج أن عليا رضي الله عنه لم يكفر الخوارج بل قاتلهم لخروجهم عليه
وبدئهم إياه بالقتال وعاملهم معاملة الإسلام، وقد نقلنا عنه ذلك في المنار من
عهد غير بعيد. وقد قتل علي غيرهم من المرتدين الذين قالوا بألوهيته.
هذا وإن حديث المارقين المذكور في (ص 276) رواه البخاري في قوم
يخرجون في آخر الزمان، وقد تكلف في تأويله من حملوه على الخوارج على
أنه لم يبق من طوائف الخوارج إلا الإباضية المعتدلون. وهم من أشد
المسلمين استمساكا بالإسلام وما يخالفون به أهل السنة فهم فيه كأهل كل
مذهب، عامتهم مقلدون، ومتعلموهم متأولون، وإذا كان جمهور أهل السنة لم
يكفروا غلاتهم المتقدمين، أفنفرق كلمة المسلمين بتكفير متأخريهم المعتدلين؟
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
وفاة زعيم عربي علوي عظيم
السيد محمد علي الإدريسي
في منتصف شهر شعبان نعت إلينا أنباء عدن السيد محمد علي الإدريسي أمير
عسير وتهامة - اليمن السفلى - فشككنا كعشيرته وجماهير الناس هنا في صحة
الخبر، ولم نستيقن إلا في آخر شعبان، وكان سبب الشك أنه كان قد جاء قبل ذلك
بأشهر نبأ من الحجاز بوفاته ثم ظهر كذبه.
قد امتاز السيد محمد علي الإدريسي في عشيرته بمزايا عظيمة لا يجتمع مثلها
عادة إلا للأفراد الأفذاذ في الأجيال، كالذكاء والسخاء والشجاعة والحزم والإقدام،
مزايا مكنته من تأسيس مملكة مستقلة بنفسها في بلاد يتنازع الحكم والسلطان فيها
أقدم دولة عربية إسلامية - وهي دولة أئمة اليمن - وأقوى دولة إسلامية عسكرية -
وهي الدولة العثمانية- وقد اجتمعت الدولتان على مناوأته وقتاله واستعانت الدولة
العثمانية عليه بحكومة الحجاز فكان له الفلج والظفر، وبذلك تأيد حكمه واستقر.
الإدريسيون شيوخ طريقة صوفية، لا قواد جيوش ولا رجال أحكام
وسياسة، ولجدهم السيد أحمد بن إدريس شهرة ذائعة بالصلاح والولاية، وهو مدفون
بجوار (صبيا) عاصمة عسير، ولطريقته في تلك البلاد أتباع كثيرون يخضعون
لشيوخ الطريقة خضوعا روحيا إذعانيا، لا يقبل أهله فيه بحثا ولا برهانا عقليا ولا
دينيا، كدأب عامة بلاد اليمن وإفريقيا، فمثل الإدريسية كمثل إخوانهم السنوسية.
ومما امتاز به السيد محمد علي - رحمه الله تعالى - على شيوخ طريقتهم في
هذا العصر أنه طلب العلم في الأزهر بجد وعناية فاستفاد في سنوات قليلة ما لا يدرك
أكثر المجاورين في هذا المعهد مثله في بضع عشرة سنة، بل ما يقصر عنه فيه أكثر
الشيوخ الذين يقضون عشرات السنين هنالك متعلمين ومعلمين، ذلك بأنه كان نير
العقل، مستقل الفكر، لم تقو خرافات الطريقة ولا طريقة التعليم الأزهري العقيمة
على أن تغلب على فطرته الزكية، ومن آيات ذلك أنه كان راضيا عن المنار معجبا
به كثير الثناء عليه، وقد اقتنى جميع مجلداته السابقة على الحرب العامة الكبرى التي
قطعت الصلة بيننا وبينه، ولما عادت في هذا العام جدد الاشتراك فيه، وكنا على
وشك بإرسال بقية المجلدات التي تجددت لإكمال مجموعته عنده، ومنها أنه عقد اتفاقا
رسميا مع سلطان نجد كان من وسائله أنه هو على مذهب السلف في عقيدته، وقد هدم
القبة التي كانت مبنية على قبر جده معترفا بأنها من البدع المخالفة للأحاديث
الصحيحة.
ذهب الفقيد إلى بلاد عسير بعد ما كان من طلبه للعلم بقصد الإرشاد والتعليم،
ولم يبلغنا عنه أنه كان مستشرفا للإمارة والحكم، فكان إقبال الناس عليه عظيما،