الخيال في الشعر العربي
(1)
يرتفع شأن الشعر ونقضي لصاحبه بالبراعة والتفوق على غيره بمقدار ما
يحرز من بناء محكم ومعنى بديع، وقد حدق فلاسفة الأدب أنظارهم إلى الوجوه
التي تملك بها المعاني شرف منزلتها وحسن طلعتها، أو تأخذ منها الألفاظ متانة
نسجها وصفاء ديباجتها.
ومن أجمل الفنون التي يرجع النظر فيها إلى جهة المعنى صناعة التخييل،
وهي الغرض الذي جردت القلم للبحث عنه في هذه الصحائف متحريا أسلوبا لا
يشتكي منه القارئ طولا ولا قصرا.
ولا أدعي أن هذا الفن مما ضل عن أولئك الفلاسفة فلم يعرجوا على مكانه،
أو صعب عليهم مراسه فلم يسوسوه بفكر ثاقب وبيان فاصل، فإن كثيرا من علماء
البلاغة قد ولوا وجوههم شطره حتى توغلوا في طرائقه، وكشفوا النقاب عن حقائقه،
ومن أبعدهم نفوذا في مسالكه الغامضة، وأسلمهم ذوقا في نقد معانيه وتمييز جيدها
من رديئها الإمام عبد القاهر الجرجاني صاحب كتاب أسرار البلاغة ودلائل
الإعجاز.
وما كان لي سوى أن أعود إلى مباحثه المبثوثة في فنون شتى، فأستخلص
بقدر ما تسمح به الحال لبابها، وأولف بين ما تقطع من أسبابها، ولا تجدني - إن
شاء الله - أحكي مقالهم دون أن أعقد بناصيته، أو أبث خلاله، أو أضع في ردفه
جملا تلبسه ثوبا قشيبا، أو تنفخ فيه روحا كانت هادئة.
***
الشعر
يعرف العربي في جاهليته كما عرف بعد أن نسل إليه العلم من كل حدب أن
الكلام ينقسم إلى شعر ونثر، والميزة المحسوسة لكل أحد أن الشاعر لا يحثو عليك
الألفاظ جزافا مثلما يفعل الناثر، وإنما يلقيها إليك في أوزان تزيد في رونقها،
وتوفر لذتك عند سماعها، ومن هذا ذهب بعضهم في حد الشعر إلى أنه كلام مقفى
موزون، وهذا مثل من يشرح لك الإنسان بأنه حيوان بادي البشرة منتصب القامة،
فكل منهما قصر تعريفه على ما يدرك بالحاسة الظاهرة، ولم يتجاوزه إلى المعنى
الذي يتقوم الحقيقة ويكون مبدأ لكمالها، وهو التخييل في الشعر، والنطق في
الإنسان.
فالروح التي يعد بها الكلام المنظوم من قبيل الشعر إنما هي التشابيه
والاستعارات والأمثال وغيرها من التصرفات التي يدخل لها الشاعر من باب
التخييل، وليس الوزن سوى خاصة من خواص اللفظ المنظور إليها في مفهوم
الشعر بحيث لا يسميه العرب شعرا إلا عند تحققه، وإطلاق الشعر على الكلام
الموزون إذا خلا من معنى تستطرفه النفس لا يصح إلا كما يصح لك أن تسمي جثة
الميت إنسانا، أو تمثال الحيون المفترس أسدا.
والمنثور من الكلام يشارك الشعر في اشتماله على الصور الخيالية، ولكن
نصيب الشعر منها أوفر، وهو بها أعرف، كما يمتاز بأحد أنواع التخييل، وهو ما
لا يتوخى به صاحبه وجه الحقيقة، وإنما يقصد به اختلاب العقول ومخادعة النفوس
إلى التشبث بغير حق يدعوك كما قال ابن الرومي إلى أن تطوي جناحيك على
جذوة من الحقد:
وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض المزايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على واسعي القرض
وقال آخر يزين لك أن تدرج نفسك في كفن الذل وتواريها في حفرة من
الخمول:
لذ بالخمول وعذ بالذل معتصما ... بالله تنجو كما أهل النهى سلموا
فالريح تحطم إن هبت عواصفها ... دوح الثمار وينجو الشيح والرتم
ولاختصاص الشعر بهذا النوع من التخييل أطلق بعض المشركين من العرب
على الرسول - صلى الله عليه وسلم - اسم الشاعر؛ ليلقوا في أوهام السذج أن كلامه
من نوع ما يصدر عن الشعراء من الأقوال المموهة والتخيلات الباطلة.
فهم يعلمون أن القرآن بريء من النزعة التي عهد بها الشاعر، وهي عرض
الباطل في لباس الحق؛ لأنه إنما ينطق بالحكمة، ويجادل بالحجة، ولا يخفى
عليهم أنه مخالف للشعر في طريقة نظمه، فإن للشعر عروضا يقف عنده، ووزنا
ينتهي إليه، والقرآن يصوغ الموعظة وينفق الحكمة بغير ميزان، ولكن ضافت