السياسة ورجال الدين في مصر
يعلم رجال الاستعمار ما لا يعلم رجال الدين في البلاد المستعمرة بالفعل أو
بالقوة، من سلطان الدين على الأرواح، وتأثيره في الإرادة الباعثة على الأعمال.
فهم يعنون أدق العناية في كل شعب يظله سلطانهم بإزهاق روح دين الشعب الذي
على غير دينهم أو تحويله عن مذهبه إذا كان مخالفا لمذهبهم ويبثون فيه دعاة
مذهبهم الديني ويؤيدوهم بما لديهم من حول وقوة، ومن مناهضتهم لدين الشعب
إبعاد رجاله عن أعمال الحكومة ومناصبها، وتحري جعل أصحاب الوظائف
الشرعية الخاصة بهم لأحد ثلاثة رجال: إما رجل منافق فاسد الأخلاق ليكون بعمله
حجة على الشرع ومنفرا عن الدين، وإما رجل زكي ميال للإصلاح، يشغلونه
بالوظيفة وراتبها ورجاء الترقي فيها، عن عمل حر لا تسهل مراقبته فيه وصده عنه،
ولا يقبلون مثل هذا إذا كان لهم مندوحة عنه، وإما رجل مشهور بصلاح أو علم ولكنه
فقير جبان حريص على رزقه، فيستفيدون من شهرته عند الحاجة.
كذلك يحولون بين المستمسكين بعروة الدين والغيرة عليه وبين الترقي في
مناصب الحكومة إذا انتظموا في سلكها بمقتضى نظام البلاد من حيث يكلون أمر
مناهضة التعليم الديني ومراقبة المتدينين من عمال الحكومة - ولا سيما عمال وزارة
المعارف - إلى أهل الدين المتعصبين له منهم. ولا يثقون إلا بمن يظهر لهم عدم
المبالاة بدينه ويواتيهم فيما يعلم من مقاصدهم ونياتهم في ذلك.
ومن الشواهد على ذلك أن مستر دنلوب الذي جعلوه مسيطرا على وزارة
المعارف في معظم عهد الاحتلال هو قسيس من رجال المذهب البروتستانتي، وهل
يطمع عالم من الأزهر بأن يكون وزيرا بجانبه أو رئيس إدارة أو قلم تحت سيطرته؟
لا لا.
ومن الشواهد الجلية أيضا منع مجلة المنار من السودان ومصادرة نسخها التي
أرسلت مسجلة وإحراقها بالنار، وذلك قبل الحرب التي أوجدت في زمنها المراقبة
على الضعف في كل مكان، وقد علمنا من الثقات الذين كانوا في السودان أن المنع
كان إجابة لرغبة بعض المبشرين، وقد شكونا الأمر إلى السر ونجت باشا إذ كان
الحاكم العام للسودان فما أشكانا، وهو هو المعدود من أوسع الإنكليز صدرا وألينهم
عريكة وأكثرهم مداراة واستمالة للناس.
وأكبر الشواهد عندنا على ذلك ما تفلت من قلم لورد كرومر في كتابه (عباس
الثاني) وهو هو الواسع الصدر الذي ضمن الحرية الشخصية في طول مدته ضمانا
تاما كان من أكبر أسباب شهرة الإنكليز الحسنة في الشرق كله، تفلت من قلمه
في هذا الكتاب ما شف عما كان منطويا عليه من التعصب الديني الذي كان يخفيه
بالرياء الفريسي الذي يوصف به البريطانيون، وأظهر للناس أن من أصول سياستهم
ظلم كل مسلم تربى تربية إسلامية وتخلق بأخلاق الإسلام، بإبعاده عن مناصب الحكم
في بلاده، وحصر هذه المناصب في المتفرنجين بالتربية الأوربية الذين رماهم اللورد
نفسه في كتابه (مصر الحديثة) بأقبح النعوت ونبزهم بشر الألقاب، وهاك تصريح
منه في ذلك:
قال اللورد في أواخر الفصل الرابع من كتابه هذا بمناسبة الكلام على استقالة
وزارة رياض باشا الأخيرة ما ترجمته: (إن فشل تجربة رياض باشا لقنتني درسا
هو أن لا فائدة من محاولة قيادة الرأي العام الإسلامي في مصر بواسطة رجل مثل
رياض باشا. على أن التجربة كانت في غير محلها فلو أنها نجحت لكانت الحالة
السياسية تغيرت تغيرا حسنا إلا أنها لسوء الحظ فشلت فشلا تاما) .
(ولو جربت مرة ثانية تكون نتيجتها فشلا ثانيا، فإن من الواضح أن المسلم
غير المتخلق بأخلاق الأوروبيين لا يقوى على حكم مصر في هذه الأيام، لذلك
سيكون المستقبل الوزاري للمصريين المتربين تربية أوربية) . فهذا قوله في
رياض باشا الذي لم يتول الوزارة في هذا العصر رجل مثله في عدله وحسن إدارته
وإخلاصه، وقد أثنى عليه لورد كرومر في خطبته الشهيرة (بالأوبرة الخديوية)