تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…

..)

ثم ذكر أن للجامعة الإسلامية معاني أخرى أهم من المعنى الأصلي، وهي:

(أولها) في مصر الخضوع للسلطان وترويج مقاصده

…

(وثانيها) استلزامها لتهييج الأحقاد الجنسية والدينية إلا فيما ندر ...

(وثالثها) السعي في إصلاح أمر الإسلام على النهج الإسلامي!! وبعبارة

أخرى السعي في القرن العشرين لإعادة مبادئ وضعت منذ ألف سنة هدى لهيئة

اجتماعية في حالة الفطرة والسذاجة.

وذكر أن عيب هذه المبادئ والسنن والشرائع هو المناقضة لآراء أهل هذا

العصر في علاقة الرجال بالنساء. وأمرا ثالثا، قال: إنه أهم من ذلك كله، وهو

إفراغ القوتين المدنية والجنائية والملية في قالب واحد لا يقبل تغييرا ولا تحويرا

(قال) : وهذا ما أوقف تقدم البلدان التي دان أهلها بدين الإسلام) .

ثم قفى على تحذير الأوربيين من الجامعة الإسلامية بتحذيرهم من الجامعة

الوطنية؛ لئلا تتجلبب بها الأولى (التي هي أعظم الحركات المتقهقرة) .

رددنا على اللورد كرومر في كل هذه المسائل ردا مسهبا ورد غيرنا عليه

أيضا، وفي هذه المباحث ما فيها من تفنيد كلامه، وغرضنا هنا أن نبين شدة

اهتمام الإنكليز بمقاومة الجامعة الإسلامية بكل معنى من معانيها وتحريضهم جميع

الأوربيين وجميع النصارى عليها، وعلى من يتصدى لها وتخويف المسلمين منها.

ولقد كان من إرهاب أوربة للشعوب الإسلامية وحكومتها أن جعلتها تخاف

وتحذر كل ما يكرهه الأوربيين منها وتظهر الرغبة في كل ما يدعونها إليه وجروا

على ذلك حتى صار الكثيرون منهم يعتقدون أن ما يستحسن لهم هؤلاء الطامعون

فيهم هو الحسن، وما يستقبحونه منهم هو القبيح؛ إذ تربوا على ذلك ولم يجدوا

أحدا يبين لهم الحقائق. وكان هذا عونا لهم على سلب استقلال هؤلاء المخدوعين

والمرهبين في بعض البلاد وغلبة نفوذهم على نفوذ الحكومة في بلاد أخرى كمصر

والدولة العثمانية، واستحوذ الجبن والخور على رجال الحكومات في هذه البلاد حتى

إن أركان الدولة العثمانية لم يتجرأوا على الإذن لنا بإنشاء مدرسة إسلامية في

عاصمتها باسم (دار الدعوة والإرشاد) كما تقدم، ولم يكونوا كلهم يجهلون ما

ذكرت، بل قال لي شيخ الإسلام حسني أفندي رحمه الله تعالى: إن عندنا قاعدة

مطردة في الإفرنج هي أن كل ما يرغبوننا فيها فهو ضار بنا وكل ما ينفروننا عنه

فهو نافع لنا. وإنما هو جبن بعض الرؤساء وفساد عقائد بعض، وما الجبن إلا

غشاوة من الوهم على عين البصيرة انقشعت عن ترك الأناضول فرأوا أنهم بعد

انكسارهم في الحرب العامة وفقدهم لتلك الممالك الواسعة أعز وأقوى مما كانوا عليه

منذ مائتي سنة؛ إذ كانت البلاد فيها تنتقص من أطرافها ونفوذ الأجانب في عاصمة

الدولة فوق نفوذ خليفتها وسلطانها.

لهذا السبب ينوط الرجاء بحكومة الأناضول ألوف الألوف من المسلمين أن

تحيي منصب الخلافة وتجدد به مجد الإسلام وشريعته الغراء التي يرجى أن يتجدد

بإحيائها مجد الإنسانية ويدخل البشر في عصر جديد ينجون به من مفاسد المدنية

المادية التي تهدد العمران الأوربي بالزوال.

أنا لا أتصور أن يكون الرعب من معارضة دول أوربة الاستعمارية هو الذي

يمنع الترك من إقامة الخلافة الإسلامية؛ فإن هذا شكل حكومتنا ومقتضى ديننا،

وطالما صرحت هذه الدول بعد الحرب بأنها لا تفتات على المسلمين في أمر الخلافة،

وأما الجامعة الإسلامية فهي مسألة أخرى، ولكل دولة لها رعايا من المسلمين أن

تسوسهم بالطريقة التي تراها أحفظ لمصلحتها، نعم لن يكون الإفرنج هم الذين

يمنعون إقامة الخلافة ولكن الذي يخشى أن يمنعها إنما هم المتفرنجون دون غيرهم

وقد شرحنا ذلك من قبل.

من المعقول في السياسة أن يطعن المستعمرون للبلاد الإسلامية في جامعة

دينية يظنون أنها قد تفضي إلى انتفاض أهل هذه البلاد عليهم، ويخافون أن تكون

الخلافة الحق سببا لتحقق هذه الجامعة، وأن يطعنوا في الشريعة الإسلامية وينفروا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٢٥