خاتمة المجلد الثاني والعشرين
بسم الله وبحمده أختتم المجلد الثاني والعشرين من المنار كما افتتحته باسمه
وبحمده فهو به وله منه وإليه، ولا حول ولا قوة إلا به.
بفضله تعالى أعدنا أجزاء المنار إلى حجمها السابق الذي انتقصت منه رزايا
الحرب وطبعناه على ورق أقوى وأنظف وأغلى من ورقه الأول، فثمنه يزيد على
الثمن الذي كان قبل الحرب خمسة أضعاف وتوسعنا في مباحثه ومسائله، عملنا كل
ما أقدرنا الله تعالى عليه فعسى الله أن يوفق سبحانه قراءه إلى أن يقوموا بما يجب
عليهم من أداء حقه، فلا يزال الكثيرون من أهل الوفاء منهم يرجئون دفع القيمة
إلى انتهاء السنة واستيفاء أجزاء كل مجلد كاملة، ولا يزال الكثيرون من غيرهم
مدينين باشتراك عدة سنين، يلوون ويمطلون، وهم أغنياء واجدون، ويندر أن
يوجد فيهم من يستبيح هذا الجرم ويستحل أن يصدق عليه قول الرسول - صلى
الله عليه وسلم -: (مطل الغني ظلم) متفق عليه، ولكنهم غافلون حتى عن
أنفسهم فلا يفكرون في نفقات العمل من أين تأتي إذا كان جميع المشتركين أو
أكثرهم مطل ولا يرضون لأنفسهم أن يكون غيرهم خيرا منهم، ولا يحاسبونها على
الظلم وهضم الحق الصراح، ولا سيما إذا كان صاحبه مهملا أو مقصرا في حياته
بالإلحاح؛ لأن الأمور السلبية قلما يحاسب نفسه عليها في الأمم المريضة -إلا
نادرا -إلا الأفراد من الفضلاء وأما الدهماء فقلما يفكرون في جناياتهم العملية
على أنفسهم وأهليهم وأمتهم، أو يفطنون إلى سوء عواقبها فيها وفيهم، وإذا ذكر
أحدهم أو وجهت إليه لائمة بادر إلى تبرئة نفسه، وتحويل اللائمة إلى غيره، فلا
ينبه اللوم والتذكير منه إلا غريزة الدفاع عن النفس، والمحافظة على كرامتها بما
يسبق إلى ذمته بادي الرأي، وقد يقضي بما يقول عليها، وهو يحسب أنه قد قضى
لها، وما هي إلا الغفلة عن النفس تصل إلى درجة السهو والنسيان، كما
أرشد إلى ذلك القرآن، فقد قال في قوم: ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ (الحشر:
19) ووصف قوما بأنهم ﴿في غمرة ساهون﴾ (الذاريات: 11) .
لا يبالي المليم ما يدفع به اللوم أكان حقا أم باطلا ولا يقول ما يقول دائما عن
اعتقاد، وقد يقول كلمة حق يريد بها باطلا أو لا يريد بها إلا مقابلة اللوم بمثله كمن
يعتذر عن تأخير أداء الحق الذي عليه للصحيفة بتأخير بعض الأجزاء عنه، ويقل
فيمن يعتذرون مثل هذا الاعتذار من قصد جعل الإرجاء أو ترك الوفاء عقابا على
تأخير بعض الأجزاء أو الأعداد، والأصل في الاشتراك أن تدفع القيمة كل سنة
سلفا للاستعانة بها على العمل فيكون باذلها مشاركا لصاحبها فيه فإن لم يفعل
المشتركون ذلك وعد مدير العمل مسيئا بتأخير إصدار الصحيفة فإساءته تكون
متأخرة عن إساءة مرجئ الدفع سلفا، بل تكون معلولة لها في الأكثر، وإذا كان كل
مشترك لا يدفع إلا بعد استيفاء أجزاء السنة كلها في مواقيتها وكان إصدار الأجزاء
في مواقيتها أو مطلقا متوقفا على دفع القيمة قبله لأجل النفقة تكون المسألة من قبيل
ما يسمى في اصطلاح المنطق بالدور، فيقال: لولا تأخير المشتركين لقيمة الاشتراك
لما تأخر صدور شيء من أجزاء المجلة، ولولا تأخير أجزاء المجلة لما تأخر
المشتركون عن أداء القيمة سلفا، هذا محال.
والحق أن الإرجاء والتسويف لا يكون من جميع المشتركين في الصحف وإن
من المرجئين من يرجئ كسلا وتهاونا في الوفاء، ومنهم من يرجئ لأن أداء الحق
ثقيل على طبعه، وليس له من باعث الدين ولا التربية على الوفاء والنظام في
المعيشة ما يرجح على البخل وهضم الحقوق، ومنهم المعسر الذي ينتظر الميسرة،
ومنهم الحريص الذي يخشى أن يعجز صاحب المجلة أو الجريدة الاستمرار على
إصدارها، وأكثر الناس في هذه البلاد وأمثالها لا يثقون بأكثر ما يتجدد من الصحف
لكثرة ما يصدر منها أياما وأسابيع أو أشهرا قليلة، ثم ينقطع وتضيع قيمة الاشتراك