انتداب العرب في سويسرة في القرون الوسطى
طرفة تاريخية من قلم الأمير شكيب أرسلان الشهير
(1)
يظهر أنه من جملة الممالك الأوروبية التي انبسطت إليها يد الاستيلاء العربي
وخفق فوق ربوعها علم الفتح الإسلامي في القرون الوسطى هي بلاد سويسرا، هذه
البقعة الجميلة النضيرة التي تراها جنة خضراء صيفا وشتاء، والتي هي من
أوروبا بمثابة الكبد من الجسد.
كنت أعلم أن العرب بعد أن فتحوا أسبانيا استولوا على جنوبي فرنسا وتمكنوا
من أواسطها ونزلوا بر إيطاليا واكتسحوا روما فضلا عن استيلائهم على صقلية
وسردانية وغيرهما من الجزر، ولكن إلى سنة 1919 تاريخ ورودي سويسرا لم
أكن أعلم شيئا عن وصول العرب إلى نفس سويسرا مع بقائهم فيها مستقلين بعدة من
القلاع والبقاع نحوا من مائة سنة، وبلوغهم بحيرة كونستانز الشهيرة من جنوبي
ألمانيا.
وأول من نبه فكري إلى هذا الحادث العظيم من مجريات الفتح العربي
الأوروبي هو الأستاذ هس المستشرق السويسري الذي أقام مدة بمصر وعرف
كثيرين من كبراء المصريين والذي يمت إلينا بحبل صداقة أكيدة كانت بينه وبين
أستاذنا الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده - برد الله ثراه - فأول اجتماعي مع
المستشرق المشار إليه أطلعني على تاريخ وجود العرب بسويسرا محررا باللغة
الألمانية بقلم مؤلف اسمه (فرديناند كار) مطبوعا في مدينة زوريخ سنة 1856
وبعد ذلك استقريت هذا الموضوع فوقع في يدي كتاب ممتع جليل عنوانه تاريخ
غارات المسلمين على فرنسا وسافواي وبيامون وسويسرا للمسيو (رينو)
الفرنساوي، وكتب أخرى ظهر من إجماعها ومن آثار العرب الباقية ومن الأسماء
العربية التي تركوها في البلاد ومن المسكوكات العربية التي لا تزال محفوظة - أنه
كان للعرب دولة وصولة في بلاد سويسرا وأنهم لبثوا فيها حقبا (الحقب بضم
فسكون نحو ثمانين سنة أو أكثر) كان حافلا بالوقائع والنوادر، شأنهم في كل محل
دخلوه أيام كان العرب عربا والناس ناسا