تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انتباه الشرق

[1]

العرب وطيش سهم المستعمرين. سورية وفلسطين. اليمن وعمان. الأناضول ومعاهدة سيفر. أذربيجان والأفغان. شمال أفريقية.

لا جرم أن الشرق قد بدأ ينتبه من غفلته ويثيب من رقدته، ويهب من سباته

العميق ويستفيق من كابوسه الثقيل، وأن ذلك قد لاحت تباشيره منذ وضعت الحرب

أوزارها، وظهرت مخايله في كل صقع من أصقاع الشرق بصورة لا تقبل

المغالطة، ولا تحتمل المراء، بحيث شعرت أوربا شعورا تاما بأن شرق اليوم هو

غير شرق الأمس، وأن الحرب العامة قد تمخضت بحوادث لم تكن في حسبانها،

وربما تلد انقلابات كان يجوز أن يستأكل فصالها القرون والأحقاب فعجلت الحرب

في توليدها ببضع سنين، فكان الظفر الذي ظن الغالبون أنه سيلقي إليهم بمقاليد

الأرض بحذافيرها ويؤمنهم على تراثها بدون معارض ولا منازع، هو مبدأ انحلال

سلطاتهم الملفقة من قوى الأمم الأخرى وفاتحة انتشار أسلاكهم المنظومة بمجاهيد

المستضعفين في الأرض ومصداق قوله تعالى: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم

بغتة فإذا هم مبلسون} (الأنعام: 44) ولا بد أن يأتي يوم يقول فيه الشرقيون:

طالما أحزنتنا نهاية الحرب العامة بما انتهت به وخلو الجو للدول المستعمرة تلقي

بجرانها على من تشاء وتهضم حق من تشاء وتظن الأحرار قد أصبحوا لها خولا

وعبيدا. ولكن صدق علينا وعليهم قوله عز وجل: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو

خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة: 216) .

فقد ظن المستعمرون قبل كل شيء أنهم يخدعون الأمة العربية بمواعيد

الاستقلال حتى تنفصل عن الأمة التركية ويقع بأس إحداهما بالأخرى مما يوفر على

المستعمرين الأموال والرجال، حتى إذا انفصل العرب عن الترك بعد ذلك وجدوا

أنفسهم بين براثن أولئك الخلابين الخداعين وأطبق هؤلاء عليهم قواهم طبقا بعد

طبق يقتسمون بلادهم فيما بينهم تقاسم لا يسار للجزور وينقضي الأمر وينتهي

النزاع، وإذا تنجز العرب ما تقدم لهم من المواعيد لم يع من صنعته الخلابة ومهنته

الكذب والرياء أن يجاوب أولا بالألفاظ التي قد جاوب بها من قبيل: استقلال

وتحرير وترقية وتنمية، وسيطرة وقتية ووصاية أبوية، وإرشاد إلى وقت بلوغ

الأشد، وغير ذلك من الخزعبلات التي لا يخجل أمثالهم من أن يجعلوها شباكا

للصيد وخطاطيف للقبض، فإن لم تنفع هذه الألفاظ ولم تنجح هذه العناوين الضخمة

في إخفاء المرام وتهوين المصاف فيكون الجواب صرحه برمحه بالسيف والمدفع،

والطيارة والدبابة، وغير ذلك من الآلات المهلكة والنيران المحرقة، ويقال: إن ذلك

إنما هو موت لأجل الحياة، وقطع للأعضاء الفاسدة لسلامة الجسد، وتخريب من أجل

المدنية، وهمجية لأجل الإنسانية.

ولكن ساء في هذه النوبة فألهم وكذب خالهم ورأوا من العرب ما لم يكن يخطر

لهم على بال إذ وجدوا هذه الأمة بعد انفصالها عن الأمة التركية أشد نفورا من

حكومة الأجنبي مما كانت من قبل، وما وضعت الحرب العامة أوزارها من جهة

وظن الحلفاء الغالبون أن البلاد قد بردت لهم عفوا صفوا - حتى لقحت الحروب في

الشرق الأدنى والأوسط من الجهة الأخرى، وقام العرب ينادون يا للثارات ممن

نكثوا بالوعود وخفروا العهود ‍! وتورطت إنكلترا في العراق في حرب زبون لم يعد

لها نهاية، فبقيت سنتين ونصف سنة توالي البعوث على البعوث وتلف الزخوف

على الزخوف وتكور الطيارات على الدبابات والدبابات على الطيارات وتحرق

القرى وتنسف المنازل وتهلك الحرث والنسل وبلغ عدد جنودها في العراق 120

ألف مقاتل، وبلغت نفقاتها السنوية هناك 50 مليون ليرة إنكليزية وهي لا تفوز

بطائل ولا تصل إلى غاية تذكر ولا تزداد من أهل تلك البلاد إلا بغضا وعدوانا

وسخيمة وشنآنا إلى أن يئست من تدويخ العراق بالسيف، وبعد أن كانت لا تعير

مطالب أهل العراق أدنى بال، وكانوا يشكون إليها فيشكون إلى غير مصمت [2]

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٠١