تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

118-119

) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هلك من كان قبلكم

بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) ، ولهذا فسروا الاختلاف في هذا الموضع

بأنه كله مذموم، قال الفراء: في اختلافهم وجهان: أحدهما كفر بعضهم بكتاب

بعض، والثاني تبديل ما بدلوا، وهو كما قال، فإن المختلفين كل منهم يكون معه

حق وباطل، فيكفر بالحق الذي مع الآخر ويصدق بالباطل الذي معه، وهو تبديل

ما بدل، فالاختلاف لا بد أن يجمع النوعين، ولهذا ذكر كل من السلف أنواعا من

هذا) ثم قال المؤلف بعد ذكر ستة أنواع من اختلاف أهل الكتاب حذفناها للاختصار

ما نصه:

واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط [6] فالخارجي يقول: ليس الشيعي على

شيء. والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء. والقدري النافي يقول: ليس

المثبت على شيء. والقدري الجبري المثبت يقول: ليس القدري النافي على شيء.

والوعيدية تقول: ليست المرجئة على شيء. والمرجئة تقول: ليست الوعيدية

على شيء. بل ويوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية والفروعية

المنتسبين إلى السنة، فالكلابي يقول: ليس الكرامي على شيء. والكرامي يقول:

ليس الكلابي على شيء. والأشعري يقول: ليس السالمي على شيء. والسالمي

يقول: ليس الأشعري على شيء. وصنف السالمي كأبي علي الأهوازي كتابا في

مثالب الأشعري، وصنف الأشعري كابن عساكر كتابا يناقض ذلك من كل وجه،

وذكر فيه مثالب السالمية، وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لا سيما وكثير

منهم تلبس ببعض المقالات الأصولية وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي

يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئا من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك،

ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي

حنيفة شيئا من أصول المعتزلة والكرامية والكلابية ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة،

وهذا من جنس الرفض والتشيع، لكنه تشيع في تفضيل بعض الطوائف والعلماء،

لا تشيع في تفضيل بعض الصحابة.

والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أن يكون

أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، يدور على ذلك

ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر

لشخص انتصارا مطلقا عاما إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا الطائفة

انتصارا مطلقا عاما، إلا للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإن الهدى يدور مع

الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا اجتمعوا

لم يجتمعوا على خطأ قط بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجتمعون على

خطأ، بل كل قول قالوه ولم يقله غيرهم من الأئمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين

الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما إلى عالم واحد وأصحابه، ولو كان كذلك لكان

ذلك الشخص نظيرا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم - وهو شبيه بقول الرافضة

في الإمام المعصوم، ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي

بعث الله به الرسول قبل وجود المتبوعين الذين تنسب إليهم المذاهب في الأصول

والفروع، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة

والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلا بد أن يكون قوله إن

كان حقا مأخوذا عما جاء به الرسول، موجودا فيما قبله، وكل قول قيل في دين

الإسلام مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم، بل قالوا

خلافه، فإنه قول باطل.

والمقصود هنا أن الله تعالى ذكر أن المختلفين جاءتهم البينة وجاءهم العلم،

وإنما اختلفوا بغيا، ولهذا ذمهم الله وعاقبهم، فإنهم لم يكونوا مجتهدين مخطئين، بل

كانوا قاصدين البغي، عالمين بالحق معرضين عن القول وعن العمل به، ونظير

هذا قوله: {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٥٦