الأخبار والآراء
(تفرق العرب واختلافهم في جزيرتهم)
كان لما كتبناه في الجزأين الأخيرين بشأن العرب وجزيرتهم استحسان عظيم
عند أولي الرأي والغيرة من قراء المنار، ومثله ما كتبناه في المجلد الحادي
والعشرين في مسألة الخلاف بين الحجاز ونجد، تبين لنا ذلك من حديث من كلمنا
في هذه المسألة في سورية؛ إذ كنا فيها عند نشر ذلك، ثم من كلمنا في مصر في هذا
وذاك.
وأكبر مصائب العرب بأئمتهم وأمرائهم أنهم قد ازدادوا تفرقا وتعاديا وعدوانا
وتقاتلا بقدر اشتداد الحاجة إلى الاتفاق والتواد والتعاون فيما بينهم، وقد رأينا في
جريدة القبلة المكية التي هي لسان حال حكومة الحجاز ورأيها مقالا في التعادي
والتقاتل بين العرب السعوديين ومن يتصل بهم من عرب نجد والكويت واليمن،
وبين عرب عسير الإدريسيين وعرب اليمن العليا التابعين للإمام يحيى، وهذه
الجريدة تلقي تبعة ذلك على الإمام ابن سعود وعلى السيد الإدريسي اللذين كان
بينهما وبين الشريف والملك حسين من التعادي والتقاتل ما كان.
نحن عرب نغار على جميع العرب، ومسلمون نفضل بلاد الحجاز على سائر
بلاد العرب والعجم، ونهتم بأمر حفظها وصيانتها فوق اهتمامنا بسائر بلادنا
وأوطاننا، وقد حرم الله تعالى مكة على لسان نبيه وخليله إبراهيم، والمدينة على
لسان خاتم رسله وسيد ولد آدم محمد -عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام - فلا
يجوز أن يقع في هذين الحرمين قتل ولا قتال، ولا أن يكونا موضعا للمنازعات
الحربية ولا السياسية؛ لأنه قد تفضي إلى الحرب.
لما وقع التقاتل بين الحجازيين والنجديين اقترحنا على إمامي أقوى الحكومات
الإسلامية العربية المجاورة للحرمين التصدي لإصلاح ذات البين، ولو بقتال الفئة
الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، ولكن مثل هذا الاقتراح لا ترجى فائدته بالإخلاص
الذي يطلبه المسلمون الذين ليس لهم هوى ولا منفعة بنصر إحدى الطائفتين على
الأخرى، وإننا نخشى أن نرى الحرمين في يوم قريب ميدان قتال يتعذر إقامة ركن
الحج في أثنائه، وتنتهك فيه حرمة بيت الله تعالى وحرمه، أو حرم رسوله -
صلى الله عليه وسلم -، فلعلنا في ذلك نعرض على أهل الرأي والحصافة والمكانة
من المسلمين الاقتراح الآتي:
* * *
(اقتراح لصيانة الحرمين الشريفين من الحرب وعمرانها وأمنهما)
للقطر الحجازي صفة لا يشاركه فيها قطر آخر من أقطار الدنيا، فكل قطر
سواه لأهله الامتياز فيه على غيره بالحكم والتصرف في حكومته وأرضه ومرافقه،
ولحكومته أن توالي وتعادي وتحارب وتعاهد من تشاء، وتمنع من دخوله عند
الحاجة من تشاء، وتأذن فيه لمن تشاء بحسب قوانينها والقانون الدولي العام.
وأما الحجاز ففيه حرم الله وحرم رسوله اللذين حرم الله فيهما ما لم يحرم في
غيرهما، كأكل الصيد وترويعه وقطع الشجر وغيره من النبات، وشرع فيه من
العبادة ما لم يشرعه في غيره، فأوجب على مسلمي جميع الأقطار الحج والعمرة فيه،
وندب الرسول صلى الله عليه وسلم شد الرحال إلى مسجديه وجعله؛ أي:
القطر - خاصا بالمسلمين كمعابدهم، لا يباح لغيرهم الإقامة فيه كما أوصى
صلى الله عليه وسلم في مرض موته، وامتن الله على عباده بجعل جوار بيته
حرما آمنا، وجعله مثابة للناس وأمنا وقال فيه: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ (آل
عمران: 97) ، وقال: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه
والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} (الحج: 25) ، وقد ورد في
التفسير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين أن خلق
الله فيه سواء، لا فرق بين المقيم بمكة وغيره ممن يحجه من سائر الأقطار، وأنه
يجب على أهل مكة أن لا يمنعوا أحدا من الحاج مشاركتهم في سكنى بيوتهم،
وحرم بعض السلف أخذ الأجرة منهم، وكرهها بعض آخر، بل رووا في ذلك
أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن رسول الله صلى الله