والضرب الفلسفي لا يعد في الحقيقة تطورا في نفس التخييل وإنما هو تطور
لحقه من جهة دخوله في منزع جديد أعني الخوض في حقائق وسنن كونية على
طريقة النظر العميق.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد الخضر بن الحسين
-----------------
<span class="footnote">
القياس في الاشتقاق
تابع ما نشر في الجزء الثامن ص616
ومن الأصول التي يراعونها في الكف عن القياس وعدم الأخذ بالأمثلة
القليلة في تقرير أحكام هذا الباب: قاعدة تجنب ما يوقع في لبس واشتباه، ولهذا لم
يجز الجمهور صوغ فعل التعجب واسم التفضيل من الأفعال المزيدة؛ لأن الصيغة
لا تسع إلا الحروف الأصلية، وإذا سقطت الحروف الزائدة عميت على السامع
معانيها الخاصة كالمطاوعة والتكثير والمشاركة والطلب، فيضيع بعض المعاني
وتخلو العبارة عن الفائدة المطلوبة، فما ذهب إليه الأخفش والمبرد من إباحة
اشتقاق أفعل التفضيل من جميع المزيد - غير مستقيم، وإنما أجاز سيبويه اشتقاقه مما
جاء على وزن (أفعل) خاصة اعتمادا على أن ما روي من شواهده قد بلغ من الكثرة
مبلغا يجعل مأخذ القياس عليه سائغا. ودخل ابن عصفور إلى هذه المسألة من باب
النظر فأجاز القياس في (أفعل) خاصة كما يقول سيبويه، ولكنه شرط أن تكون
همزته لغير النقل نحو: أظلم الليل، وأقفر المكان؛ لأن (أفعل) الذي تكون همزته
لغير النقل (يعني التعدية) لا يزيد على معنى الثلاثي وهو الدلالة على مجرد الحدث
فلا تدخل زنة التعجب أو التفضيل خلل في المعنى، وهذا التفضيل وإن كان أقرب
إلى الأصول لم يقبله الشاطبي بدعوى أن الإجماع قد انعقد على ثلاثة مذاهب،
والإجماع لا يخرق ولو في الأحكام اللفظية.
ومما يجري على قاعدة تجنب اللبس: منعهم من صوغ التفضيل والتعجب من
المبني للمجهول؛ لأن صوغهما منه يؤدي إلى التباس وصف الفاعل بما يقصد به
المفعول، وقد حقق النظر من أجاز صوغهما من الأفعال اللازمة لصيغة المجهول
نحو (عني وزهي وهزل وأرعد وأغمي وغم وأهل ونخي) إذ لا يعرض عند إيرادها
في إحدى الصيغتين التباس.
ويدخل في هذا الصدد اشتقاق (فعيل) بمعنى (مفعول) نحو: قتيل وجريح
وصريع، فقد وقف فيه بعضهم عند حد السماع وأغلقوا دونه باب القياس، وفصل
آخرون فمنعوا القياس فيما ورد منه (فعيل) بمعنى (فاعل) نحو: علم وسمع،
حيث ورد اسم فاعله على (فعيل) فقالوا: عليم وسميع، وأباحوه فيما عدا ذلك، وقد
تخلصوا بهذا التفصيل من المحذور الذي تحاشاه الذاهبون إلى منع القياس بإطلاق،
وهو التباس وصف المفعول بوصف الفاعل.
فأصل الاحتراز عن اللبس والإيهام في اللغة مكين، بيد أنه لا يخلو كسائر
القواعد الوضعية من جزئيات تأتي على خلافه كالأسماء المعتلة العين، نحو: مختار
ومنقاد، والفعل المضاعف، نحو: يضار ويشاد، فإن هذه الصيغ تطلق في وصف
الفاعل والمفعول ويعول في فهم ما يراد منها على قرينة حال أو مقال، ومثل هذا
مما دار على ألسنة الفصحاء وشاع حتى لم يبق ريب في صحة اطراده تفسح له
مجال القياس ويبقى غيره مما فيه إبهام المراد على أصل المنع حتى ينهض دليل
السمع بجوازه، فإذا وقع النزاع على اشتقاق يحصل معه احتمال بخلاف المراد،
فالأصل بيد المانع حتى يقيم المجيز الشواهد الكافية للقياس.
ومما يوردونه عذرا في الحكم - ترد به أمثلة كثيرة ويأبون جعله قياسا مطردا -
الاستغناء عنه بصيغة أو صيغ أخرى، كما قال الرضي ناقلا عن سيبويه: إن باب
(فعلته) الذي تضم فيه العين للمغالبة مسموع بكثرة ولا يصح القياس عليه
للاستغناء عنه بنحو (غلبته) وربما تعلقوا بهذا الوجه في استثناء بعض ألفاظ
تشملها قاعدة، فيصرحون بالمنع من إجرائها على القاعدة استغناء عنه بصيغة أو
جملة تسد مسد الحاجة إليها، كما قال سيبويه في الكتاب: لا تقول العرب في (قال