تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرحلة السورية الثانية

(6)

ذكرنا في النبذة الخامسة التي نشرت في الجزء الخامس أن مسلمي بيروت قد

تجدد لهم ثلاث حالات اجتماعية، وتكلمنا على الأولى منهن وهي المتعلقة بالنساء،

فبقي أن نقول كلمة في كل من الحالتين الأخريين وفاء بالوعد.

اتفاق المسلمين والنصارى

الحالة الثانية: الميل إلى الاتفاق مع النصارى وهذه ليست جديدة بالمعنى

المتبادر من الكلمة، وهو أنها حدثت بالتطور الذي أحدثته الحرب الأخيرة وما تولد

منها، بل كانت من تأثير تطور سابق عليها نبه العرب كغيرهم إلى المحافظة على

جنسيتهم، وكان السوريون أسبق العرب إلى التنبه والبحث في ذلك من حيث إن

لهم وطنا خاصا له حدود ومصالح خاصة قلما تشاركهم فيها الأقطار العربية الأخرى

وأهله مؤلفون من أصحاب ملل ومذاهب يرجع أكثرها إلى فريقين: محمديين

ومسيحيين، بحيث يتوقف عمران البلاد وارتقاؤها على تعاون الفريقين وإن كان

أكثر مجموع أهالي البلاد في غير لبنان من الأولين، كما أن أكثر رقبة الأرض لهم.

فالحق أن للشعور بالحاجة إلى الاتفاق بين المسلمين والنصارى عدة محركات:

الحرب، وثلاثة قبلها وواحد بعدها، والأخير الذي سبق إلى ذهننا عند كتابة النبذة

الخامسة من الرحلة، أما المحرك الأول فهو الدستور الذي علق الآمال بوطنية

جديدة عثمانية تقضي على دسائس التفرق في المصالح الوطنية بين الملل والنحل،

ولكن لم تلبث هذه الآمال أن خابت فكانت خيبتها بمحرك أقوى وهو اضطهاد

الاتحاديين للعرب واجتهادهم في صرف قوى الدولة إلى تقوية الجامعة التركية أو

الطورانية، وإكراه سائر الشعوب العثمانية على الاندغام فيها بمحو لغتهم وجميع

مميزاتهم القومية والوطنية، ولا سيما السوريين والعراقيين من العرب، وتلا هذا

المحرك الثالث وهو حرب البلقان التي انكسرت فيها الدولة انكسارا حرك المطامع

الأوربية المستعدة للوثوب على البلاد العربية لاستعمارها، وعلى إثر ذلك تألف

حزب اللامركزية في مصر والجمعية الإصلاحية في بيروت من المسلمين

والنصارى، وباتفاق الحزبين مع بعض شبان السوريين المشتغلين بتلقي العلم في

أوربة تكون المؤتمر السوري وجعلت رياسة إدارته لحزب اللامركزية؛ لأنه أقوى

الأحزاب وأطهرها وأعمها.

وأما الحرب فقد كانت بويلاتها ومصائبها محركا إنسانيا وطنيا للتعاطف

والتراحم كما وصفنا في هذه الرحلة ووصف غيرنا من الكتاب في الجرائد السورية

في جميع الأقطار.

وأما المحرك الأخير وهو الاحتلال فقد كان يجب أن يكون - بعد تلك

المحركات الممهدة أو المؤسسة - هو المتمم للبناء، ولكنه كان هادما للأساس

والقواعد وراجعا بهؤلاء السوريين المساكين إلى شر مما كانوا عليه قبل تلك

التطورات أو المحركات الدافعات لكل فريق إلى السعي للاتفاق مع الآخر وتكوين

جامعة وطنية، وقد كان كل فريق مؤاخذا في هذا اللوم الذي كان مظهرا لفقد التربية

الوطنية والقومية وتغليب التعصب الديني على كل ما سواه حتى كأنه - أو لأنه -

قد صار غريزة أو ملكة راسخة لا تزول إلا بجهاد طويل ينقرض فيه جيل ويتجدد

جيل.

ذلك بأن الاحتلال المختلط الذي تلا جلاء الترك عن سورية كان مذبذبا، فقد

سبق الأمير فيصل بجنوده ورجاله إلى احتلال البلاد باسم الحكومة العربية ورفع

على معاهد الحكومة في مدنها علمه العربي الحجازي، وكان الأهالي قد سبقوا إلى

تأليف حكومة وطنية مؤقتة وتلاه الاحتلال المختلط المثلث تحت قيادة الإنكليز،

فالقسمة المثلثة فالقسمة الثنائية، ولما جاء رجال فيصل أولا خضع لهم الجميع

ورفعت الحكومة اللبنانية علمه على دار الحكومة في بعبدا وكانت المبشرات بالثورة

العربية والحكومة العربية الجديدة التي ستنقذ البلاد من الترك قد تغلغلت في البلاد

بسعي الدولة البريطانية فكان مجيء رجال فيصل واستيلاؤهم على مصالح الحكومة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٧٣