تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…

وملخص هذه التواريخ وهو من أغرب ما جاء في حوادث الدهر أن عشرين

عربيا كانوا راكبين في سفينة من سواحل أسبانيا ضلت بهم الطريق وما زالت

تتقاذفهم الأمواج حتى رمت بهم على شاطئ خليج (سان تروبس) في جهات جينوة

فخرجوا إلى البر وتوغلوا بين القرى يقتلون ويأسرون واتخذوا لهم حصنا في أدغال

جبل (موروس) وصاروا يشنون الغارات ويأوون إليه بالغنائم.

وقيل: بل ركب 20 عربيا من لصوص البحر من ساحل الأندلس قاصدين

سواحل بروفانس (جنوبي فرنسا) فأخذتهم الريح إلى خليج غريمو أو خليج سان

تروبس فخرجوا ولم يشعر بهم أحد ورأوا حول ذلك الخليج غابة ملتفة أشبة، حولها

سلسلة جبال فأغاروا على أقرب قرية من محل نزولهم وقتلوا أهلها وانتشروا في

الناحية وألقوا الرعب في القلوب وكان الموقع مساعدا لهم بطبيعة الأرض من

الإشراف على البحر ثم من الغاب المشتبك ثم الجبال الشامخة فتحكموا في تلك الجهات

واستولوا على طرقها وقبضوا على مضايقها، وألقت هي إليهم بمقاليدها. وكان هذا

الحادث نحو سنة 891 مسيحية.

ولا يجب أن نأخذ كلام مؤرخي الإفرنج هذا على علاته من جهة كون غزاة

هؤلاء العشرين عربيا هي لصوصية صرفة وعيثانا بحتا، وأنهم إنما جاءوا للنهب

والغصب فهذه شنشنة مؤرخي أوروبا بإزاء حوادث كثيرة في تاريخ الإسلام، مع أن

الواقع قد يكون خلاف ذلك، وقد دلت الآثار وقامت الأدلة ونهضت البراهين على

أن أكثر أغراض العرب في مغازيهم في صدر الإسلام إنما كان إعلاء كلمة الله

ونشر عقيدة التوحيد وأنهم كانوا يرون أنفسهم هداة لا جباة، وكانوا يستبسلون في

الحروب استبسالا ويبيعون أنفسهم من الله ابتغاء الجنة فقط، ويجدون ذلك فرضا

عليهم على حين أن الغبي أو الغريب الجاهل للحقائق البعيد عن اكتناه أسرار هذه

المغازي وما كان يجيش في صدور أهلها - كان يتوهم أنها بأجمعها فتوحات دنيوية

لأجل السلب والكسب والنهي والأمر، وليس التوهم بعبرة، فقد يكون هؤلاء

العشرون غازيا الذين أبحروا من ساحل أسبانيا إلى ساحل إيطاليا هم ممن نصبوا

أنفسهم للجهاد في سبيل الله ورفع راية التوحيد ونشر كلمته بين أهالي هاتيك

الأرضين راكبين لذلك لجج البحار، ومتوقلين عقاب الأوعار. استزادة من ثواب

الله، ورغبة في الشهادة في سبيل الله، وربما كان بين هؤلاء العشرين مجاهدا

العالم الفاضل، والفقيه المحدث، والشاعر المترسل، والسائس المحنك، والقائد

البصير المجرب.

وبرهان ذلك واضح كالشمس من كون 20 رجلا لا يقتحمون مثل هذه الغمرة،

ولا يلقون بأنفسهم في بر لا آخر له، وهم عصبة كهذه قليلة، إن لم يكونوا من

ذوي النفوس العالية، والطباع الزاكية، ولم تكن بين جنوبهم أرواح تتطال إلى ما

هو أعلى من حطام الدنيا الفانية- وليست قصة اللصوصية هذه التي تجدها في أكثر

تواريخ الإفرنج، حاشا النقاد المدققين الذين ابتدأوا ينبهون الأفكار في هذه الأيام -

بدليل على كون هؤلاء العشرين غازيا إنما جاءوا عابثين مفسدين قاصدين الغنيمة

المادية، ولا سيما وأنك تراهم من جهة أخرى يعترفون بأنهم ما استقرت قدمهم في

ذلك الساحل حتى شادوا الحصون، واستنبطوا العيون، وامتهدوا الحزون، ونحتوا

الصخور، وأثروا آثار عمارة أثيلة لا تزال منها بقايا ناطقة بفضلهم إلى يومنا هذا،

مما يوافقنا كل عاقل منصف أنها ليست أعمال لصوص ولا حكايات دعار، وإنما

هي آثار أمجاد أنجاد، وقروم أجواد، من أعاظم الرجال، وخيرة الأبطال.

وقد يكونون علموا بما كان عليه أهل تلك الديار يومئذ من الجهل والخمول

والانحطاط في المعارف والأخلاق (فانتدبوا) لإصلاح أمورهم و (للأخذ بيدهم في

معترك الحياة) كما هي لغة الاستعمار؛ لأن مما هو ثابت فعلا بكون شرذمة كهذه

أصلها 20 رجلا لا تتمكن من نواصي تلك الديار، ولا تسود أولئك الأقوام من

البحر المتوسط إلى بحيرة (كونستز) التي على كبد أوروبا - إلا وهي أرقى جدا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٦٨