حقيقة الصيام وحكمة فوائده
[*]
] يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم
لعلكم تتقون [[*]
الدين هداية روحية مدنية، ورابطة اجتماعية أدبية، والصيام ركن من
أركانه الدينية، وشعيرة من شعائره الملية، ورياضة من رياضاته النفسية
والبدنية، تتربى به الإرادة، ليكون لها السلطان على الهوى والعادة، وبهذا
يكون سببا لتحصيل ملكة التقوى، وهي اتقاء ما حرم الله في السر والنجوى، وفي
العلانية بطريق الأولى.
ذلك بأن الصيام حرمان للنفس من التمتع بشهوتي الطعام والشراب والشهوة
الموجبة للغسل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية العبادة التي شرعها الله
تعالى لهداية عباده وتربيتهم بما يساعد هداية الفطرة السليمة والعقل على كبح جماح
الشهوات المفسدة لهما، فمن راض نفسه على ترك الشهوات الضرورية المباحة،
كالطعام الحلال عند الجوع، والماء الزلال على الظمأ، والملامسة الزوجية مع قوة
الداعية يكون أقدر على اجتناب الشهوات المحرمة الضارة، كأكل أموال الناس
بالباطل، والتعدي على أعراضهم وغير ذلك، ولا سيما إذا كان ذلك الترك
للضروريات تقصد به طاعة الله تعالى وتكتسب به ملكة مراقبته، فيكون الوازع
نفسيا في الفعل والترك، وكفى بذلك عزة للنفس وطاعة للرب، فهذه غاية الصيام
من حيث هو هداية روحية وعبادة دينية.
وأعظم فوائده من حيث هو رياضة بدنية إزالة مرض تمدد المعدة أو تخفيفه،
وهو مرض قلما يسلم منه أحد من المترفين وغيرهم من معتادي الامتلاء من الطعام
والشراب، وإفناء الفضلات والمواد الراسبة التي هي سبب أمراض كثيرة، ولا
سيما تصلب الشرايين الذي يوهن القوى ويعجل الهرم.
وأعظم فوائده الاجتماعية أنه يساوي بين الملوك والسوقة وبين الأغنياء
والفقراء، ويذكر الواجد الموسر بحاجة العادم المعسر، ويلزم أفراد الأمة النظام
الدقيق في مواعيد أكلهم؛ إذ يتناوله الملايين منهم في وقت واحد.
هذا تعريف الصيام وغايته الشريفة وفوائده العظيمة مجملة موجزة، وليس هو
عبارة عن تغيير مواقيت الأكل بجعلها بالليل بدلا من النهار كما يزعم الجاهلون
بحقيقته، الغافلون عن سره وروحه، وقد قال أحد حكماء الغرب في كتاب ألفه في
تربية الإرادة: إن أقوى ذرائع تربية الإرادة الصيام، ولذلك شرع في جميع الأديان.
وهذا موافق لما ذكرنا من نص القرآن.
وقوة الإرادة أعلى ما يتفاضل فيه الناس من صفات النفس وجميع الرجال
العظام كانوا من أولي الإرادات القوية والعزائم الثابتة، فمن كان قوي الإرادة في
أصل الفطرة زادته تربيتها بالصيام وغيره كمالا فيها، وحملته على توجيهها إلى إقامة
الحق والثبات على الفضائل، ومن خلق ضعيف الإرادة، بضعف المزاج وسوء
الوراثة، أصلحت هذه التربية من فساده حتى يفوق ويفضل من أفسد سوء تربيته، ما
كان صالحا من سلامة فطرته.
ينال الصائم من فوائد الصيام بقدر ما يقصد مما يعقل منها، وفاقا للقاعدة
الشرعية المعقولة: (الأمور بمقاصدها) فلا يقال: إننا نرى كثيرا من الصائمين
ليس لهم حظ يذكر من تلك الفوائد، وفي الحديث الصحيح: (رب صائم ليس له
من صيامه إلا الجوع) [2] ومثل هذا كمثل الدواء الذي اتفق الأطباء على فائدته في
معالجة بعض الأمراض أو الوقاية منها بشروط يشترطونها إذا تناوله ما لم تتحقق
فيه تلك الشروط لجهله بها، أو حرم فائدتها بسبب آخر، أو استفاد منه ثم أفسد تلك
الفائدة، كمن فسدت أمعاؤه فعالجها بدواء مطهر أزال الفساد ثم أتبعه بطعام غليظ
قبل تمام الشفاء، وهكذا شأن من يصوم عن الحلال من طعام وشراب مجاراة للناس
لا احتسابا لوجه الله وطلب مرضاته بتهذيب نفسه، ثم يأكل أموال الناس بالباطل أو
ينال من أعراضهم، أو يصيب غير ذلك من المحرمات، وفي الحديث الصحيح في
الكتب الستة: (الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب،