الطور الجديد للمسألة المصرية
بدأنا مرة بعد أخرى بكتابة مقال مفصل في المسألة المصرية، ثم كنا
نترك نشره لسبق الجرائد اليومية إيانا إلى نشر مقالات كثيرة في معنى ما كتبنا ما
غادرت متردما، بل جاءوا بالذرة وأذن الجرة، كما قيل في المثل، فإن كان أكثر
ما كتب لم يخل من تحرف لجدل أو تحيز إلى فئة، فذلك أحرى باستقصاء أصول
المسألة وفروعها، فنكتفي إذا باستخلاص الزبد من المخيض واستنباط النتيجة من
المقدمات، بكلمات وجيزة تحز في المفصل، وتعطي قارئها من الموعظة والاعتبار
والحكم، ما لعله لا يجده كله في غيرها.
***
مقدمة وتمهيد
(1) قد سبق الذكاء الفرنسي الدهاء الإنكليزي إلى معرفة مكانة مصر من
ارتباط الشرق بالغرب وما فيها من ينابيع الثروة، فمد إليها حسامه نابليون الأول
نابغة عصره في الذكاء والإقدام، ولكن الدهاء الإنكليزي قطع ذلك الساعد الذي مد
الحسام، ثم أعانت العلوم والفنون الفرنسية محمد علي الكبير على تكوين دولة
جديدة عربية، فعارضتها إنكلترة بنفوذ الدولة التركية، حتى وقفت مدها وأرجعتها
إلى ما وراء حدها، ثم تعاون الدولتان على إرهاق مصر في زمن إسماعيل، ثم
سبقت أدهاهما إلى احتلالها في عهد توفيق.
(2) كانت نهضة مصر في عهد محمد علي مادية محضة، الحاكم الأعلى لها
شارع ومنفذ، ومالك يتصرف في البلاد وأهلها تصرف السيد المالك بماله وعبيده،
وما كان يرجى أن تتكون في ظل هذا الحكم بهذا العصر أمة، ولا أن تعتز دولة،
بل يهدم مستبد مفسد ما بناه مستبد مصلح، كما هدم إسماعيل المبذر ما أسسه
محمد علي المعمر، حدثني المرحوم حسن عبد الرزاق باشا أن قيمة أطيان القطر
المصري كلها ما كانت تزيد في آخر مدة إسماعيل عما كان عليه وعلى البلاد من
الدين للأجانب.
(3) إن غايات الأضداد تتصل بمباديها، ففي عهد إسماعيل الذي انتهى
إليه الاستبداد في محق ثروة البلاد وإفساد الأخلاق - زرع ونبت غرس الإصلاح
الاجتماعي والسياسي والأدبي بإرشاد حكيم الشرق وموقظه السيد جمال الدين
الأفغاني مؤسس الحزب الوطني الأول في مصر، ومعلم الكتابة والخطابة والسياسة
والفلسفة، ولكن بريطانية العظمى كانت بالمرصاد لهذا الإصلاح المعنوي، فناوأته
كما ناوأت ذلك الإصلاح المادي، فأغرت توفيق باشا بنفي السيد جمال الدين من
البلاد بعد أن كان قد عاهده - وهو ولي العهد - على العمل بما اقترحه من
الإصلاح، ومنه جعل حكومة البلاد نيابية، وتعميم التعليم وغير ذلك، ولكنه قال
عند خروجه من مصر: إنه ترك فيها من يتم ما بدأ، وهو مريده الذي أحاط
بمبادئه ومقاصده الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده.
(4) تجدد في البلاد عهد الإصلاح المادي والمعنوي معا في أول إمارة
توفيق؛ إذ تولى الوزارة مصطفى رياض باشا ذو الفطرة الطاهرة والوطنية الصادقة
التي لم تر مصر في تاريخها الحديث وزيرا يدانيه في مجموع أخلاقه وفضائله
واستقلاله وعدله وإصلاحه الإداري، وإن وجد فيها من الوزراء وغيرهم ألوف
فاقوه في العلوم القانونية بأنواعها مع المشاركة في بعض الفنون التي لم يكن يعرفها،
فقام هو بإصلاح المالية والإدارة خير قيام، وولى الشيخ محمد عبده إدارة
المطبوعات ورئاسة تحرير الجريدة الرسمية، فتوسل الشيخ بهذا إلى إصلاح لغة
الصحف والدواوين، ثم إلى إصلاح التعليم الرسمي وغير الرسمي كما فصلناه في
ترجمته وترجمة رياض باشا، ولكن كان من سوء حظ مصر أن وقف سير هذا
الإصلاح بالثورة العرابية المشئومة بانتهائها بالاحتلال الأجنبي قاتل الأمم ومفسد
الشعوب ومذل البشر.
(5) توسل الإنكليز إلى الاحتلال بطلب أمير البلاد توفيق واستدراج
السلطان صاحب السيادة عليها واستخدام اسمه ونفوذه، وخداع أوربة بإيهامها أنهم
يقصدون حماية رعاياها وحفظ أموالها ومصالحها، وطمأنوا هؤلاء وأولئك بأن