تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذو الحجة - 1340ه

أكتوبر - 1922م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

فتاوى المنار

أسئلة من مدينة بنكوك (سيام)

(س38-45) من صاحب الإمضاء:

(1) يقع اختلاف وشقاق في كل عام بين أئمة المساجد في إثبات هلال

رمضان، فمنهم من يعتمد ويعمل بمثل جدول الشهور والأيام للشيخ القزويني،

ومنهم من يعمل بما قال في عجائب المخلوقات بعد ذكر الجدول، وهو ما نصه:

قال جعفر الصادق - رضي الله عنه -: إذا أشكل عليك أول شهر رمضان فعد

الخامس من الشهر الذي صمته في العام الماضي؛ فإنه أول يوم شهر رمضان الذي

في العام المقبل، وقد امتحنوا ذلك 50 سنة، فوجدوه صحيحا. اه.

ومنهم من لا يعمل إلا بما قال الشيخ البجيرمي في حاشيته على شرح فتح

الوهاب: قال سيدي علي وفا المصري في فتاويه لا يستتر القمر أكثر من ليلتين

آخر الشهر أبدا، ويستتر ليلتين إن كان كاملا وليلة إن كان ناقصا، والمراد

بالاستتار في الليلتين أن لا يظهر القمر فيهما، ويظهر بعد طلوع الفجر، وفي

عبارة بعضهم: وإذا استتر ليلتين، والسماء مصحية فيهما فالليلة الثالثة أول الشهر

بلا ريب، والتفطن لذلك ينبغي لكل مسلم، فإن من تفطن له يغنيه عن التطلع من

(؟) رؤية هلال رمضان، ولم يفته يوم أن كان كاملا، وحديث: (صوموا

لرؤيته ... ) إلخ في حق من لم يتفطن لذلك، ولو علم الناس عظم منزلة رمضان

عند الله وعند الملائكة وعند الأنبياء - لاحتاطوا له بصوم أيام قبله؛ حتى لا يفوته

صوم يوم منه! اه، (قال) وهو كلام نفيس فاحفظه، والبقية يصومون

بالرؤية، ويفطرون بالرؤية عملا بالحديث الشريف؛ فصار كل مسجد يصوم بما

رأى إمامه.

وكذلك يختلفون في إثبات هلالي شوال والأضحى كاختلافهم في إثبات هلال

رمضان، بل العاملون بالرؤية يختلفون في قبول شهادة عدل واحد في هلالي شوال

والأضحى، (ولم تتوفر لأحد في سيام شروط العدالة المشروحة في كتب الإمام

الشافعي) ، فمنهم من يقبل، ومنهم من يرفض، فاعتماد الأول على ما ذكر

البجيرمي في حاشيته على الإقناع في كتاب الصيام أنه هو المعتمد، والثاني على

ما قال الشافعي في الأم، والنووي في شرح مسلم. فالرجاء ملء صدورنا أن

تبينوا لنا الحق في هذه مع الرد الصريح على من اهتدى بغير السنة النبوية.

(2) ما حكم شراء أوراق اليانصيب؟ ، فإن الحكومة السياسية الآن تريد

جمع المال لشراء الأسلحة النارية والطيارات الهوائية من أرباح اليانصيب

لإعراض الجمهور عن التبرع لها، وما الفرق بينهما وبين الميسر الجاهلي؟ ، فإن

قيل بالمنع، فما يفعل بالجائزة لو ربحت النمرة التي اشتراها مسلم قبل تيقن الحرمة؟

(3) فشا بيننا اليوم: (1) التداوي بالأدوية المركبة من الكحول، (2)

واستعمال الروائح العطرية والإفرنجية، (3) تعاطي البيرة، (4) ووضع

خلاصة الفواكه (Essence) في عمل الحلاويات والمربات، (5)

والاستصباح بزيت البترول (6) ، والانتفاع بالغازات، فكل هذه مستحدثة يصعب

علينا معرفة أحكامها شرعا، فنلتمس من فضيلتكم بيانا شافيا مفصلا عن حكم كل

منهما، وعن أصلها، وعن الفرق بين كل واحدة منها إن وجد، ولا تحيلونا على

ما لم يكن بيدنا من فتاوى سبقت لكم في المنار أو غيره، أفيدونا أثابكم الله،

والسلام.

بنكوك نوى ... ... ... ... ... ... ... تلميذكم ناظر مدرسة البداية

... ... ... ... عبد الله بن محمد المسعودي

(جواب المنار)

إثبات هلال رمضان والعيدين

قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم

تؤمنون بالله واليوم الآخر} (النساء: 59) ، وقد أجمع العلماء على أن الرد إلى

الله تحكيم كتابه، والعمل به، والرد إلى الرسول بعد وفاته تحكيم سنته، والعمل

بها، وقد قال تعالى - في كتابه -: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (البقرة:

185) ، وناط رسوله - صلى الله عليه وسلم - إثبات الشهر برؤية الهلال، وإلا

أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما، ولا حاجة إلى سرد شيء في تفسير الآية، ولا

نصوص الأحاديث في ذلك، فهي معلومة لديكم، ومن عجائب ضلالات التقليد أن

يترك السنة الصحيحة الصريحة عارفها، ويأخذ بقول زيد وعمرو من الناس الذين

ليست أقوالهم دينا ولا حجة في الدين، ولو لم تكن مخالفة للكتاب والسنة فكيف إذا

خالفتها، ولا هم من العلماء المجتهدين، على أن المسألة ليست اجتهادية لوجود

النص الصريح فيها، وقد قال الإمام الشافعي - في أول باب الإجماع من رسالته

الشهيرة في أصول الفقه -: (وقامت الحجة بما قلت بأن لا يحل لمسلم علم كتابا

ولا سنة أن يقول بخلاف واحد منهما) ، فمادامت رؤية الهلال ممكنة فلا يجوز

العمل بالحساب، ولا بمثل ما ذكر من الضوابط المبنية عليه، ولكن قد يحتاج إلى

الضوابط إذا تعذر العمل بالسنة كأن تطبق الغيوم في قطر كبير عدة أشهر، ويتعذر

عليهم الوقوف على إثبات صحيح للشهر برؤية الهلال في مكان قريب منهم مثلا،

أو إذا كان الصيام في المنطقة القطبية، وما يقرب منها حيث لا شهور، فههنا

يجتهد في تقدير الأوقات للصلاة والصيام.

وقد بينا هذه المسائل من قبل، والغرض هنا بيان أن المصيب من المختلفين

في المسألة في بلاد السائل هو الفريق الذي يثبت الشهر برؤية الهلال، وإلا

فبإكمال عدة شعبان 30 يوما إذا غم الهلال على الناس، وينبغي أن يكثر المستهلون

لتثبت الرؤية بالتواتر، فإن لم يتفق ذلك، وشهد برؤيته من لا يعد عدلا في مذهب

الشافعي - رحمه الله تعالى - فلا بأس بأن يعد عدلا في مذهب غيره، والعبرة

بتصديق الناس له، فإذا كنا نعلم أن زيدا يتحرى الصدق، ويتنزه عن الكذب،

ولكنه لا يرى بأسا ببعض ما يعد في المذهب مسقطا للمروءة، ولا سيما إذا كان لا

يعد مسقطا لها في هذا العصر، أو لا يسقط مروءة مثله لمجموع مزاياه الأخرى،

فلا مانع من قبول شهادته، والعمدة في ذلك أن يعتقد صدقه، فإن بعض ما

اشترطوه في العدالة مبني على العرف لا النص: كخرم المروءة، والعرف يختلف

باختلاف الزمان والمكان، ويكفي في إثبات رمضان شهادة واحد، ثبت ذلك في

السنة، وجرى عليه الجمهور.

وأما العيدان فالأدلة في إثباتهما بشهادة عدل أو عدلين متعارضة، والمهم أن

يتفقوا على أحد القولين تفاديا من الاختلاف الذي يبغضه الله، ويبغض أهله.

بعد هذا نقول كلمة في تلك الأقوال التي نقلها السائل عن بعض المصنفين:

فأما ما نقلوه عن جدنا جعفر الصادق رضي الله عنه فهو صحيح في نفسه، وإنما

يطرد بموافقة إثبات الشهر بالحساب الذي تقتضيه قواعد الفلك، ولكنه قد يخطئ إذا

جرى الإثبات على قاعدة الشرع بالرؤية، وما يظن أن الإمام قال بترك الإثبات

بما أمر به جده - عليه الصلاة والسلام - والعمل بالحساب، وإلا فإن العارف

بالحساب لا يحتاج إلى ذلك الضابط، بل يعرف أول كل شهر معرفة قطعية لا شك

فيها، وإنما تختلف أقوال مؤلفي التقاويم أحيانا؛ لأن بعضهم يجري في ذلك على

قاعدة تولد القمر، وبعضهم يجري على قاعدة توافق الشرع، من حيث يجعل أول

الشهر الليلة التي يمكن أن يرى فيها الهلال إذا انتفت الموانع كالغيوم وما في معناها،

وقد بينا غير مرة أن الحكمة في جعل مواقيت الصلاة والصيام منوطة بما تسهل

معرفته على جميع المسلمين من بدو وحضر، أميين ومتعلمين - هي أن لا تكون

أمورهم الدينية بأيدي أفراد من علماء فن مخصوص كالفلك، لا يوجدون في كل

مكان، وقد يعبثون بأمور الأمة في دينها، كما فعل رؤساء الأديان الأخرى، ونجد

أهل الأمصار الإسلامية الآهلة بالعلماء - من جميع المذاهب - لا يعملون في إثبات

هلال رمضان والأعياد وغيرها إلا بالرؤية، أو إكمال العدة على كثرة الحاسبين

المدققين فيها، ثم إنهم يثبتون الرؤية إثباتا شرعيا بحكم في دعوى صورية؛ لأجل

إعلام الناس كافة به بصفة يرتفع فيها الخلاف ليسلم المسلمون من الفوضى،

والخلاف في عبادتهم في كل قطر، فما يفعله أهل (سيام) عندكم مخالف لهدي

الشارع ولحكمة الشرع ولعمل المسلمين سلفا وخلفا في جميع الأقطار الإسلامية.

وأما ما نقله البجيرمي من أن حديث: (صوموا لرؤيته) خاص بمن لم

يتفطن لتلك القاعدة الحسابية، ومن أنه ينبغي الاحتياط لرمضان بصوم قبله حتى

لا يفوته صوم يوم منه! فهو باطل بشقيه، ويستغرب قوله فيه: إنه نفيس،

ويترتب على قوله الأول أن نقبل قول كل من جاءنا بقاعدة أو طريقة يمكن أن

يحصل بها مقصد الشرع في عمل من الأعمال من غير الطريقة أو القاعدة الثابتة

بنص الكتاب والسنة؛ وحينئذ يكون كل واحد من هؤلاء شارعا لغير ما شرعه الله

تعالى، وناسخا لما شرعه، ولو في الوسائل، وهو شرك بالله تعالى، كما قال

تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ (الشورى:

21) ، وقد بينا هذا المعنى في مواضع من التفسير والفتاوى القريبة العهد،

وسيرى القراء شيئا منه في الجزء الآتي من المنار في باب الفتوى، إن شاء الله

تعالى، وبمثل هذه الآراء أضاع من قبلنا أصول دينهم وفروعه.

وأما الرأي الثاني فيقال فيه: إن الصيام لا يعد من رمضان إلا إذا ثبت الشهر،

وكان الصيام بنية رمضان، وإلا فقد ورد في السنة النهي عن صوم يوم الشك،

وعن استقبال رمضان بيوم أو يومين.

وجملة القول أن الواجب على أهل بلدكم أن يعملوا في إثبات رمضان

والعيدين بما يعمل به سائر المسلمين من الاستهلال، فإن رؤي الهلال فذاك، وإلا

أكملوا عدة شعبان، وأن يجتمع أئمة المساجد والعلماء ليلة الثلاثين من رمضان،

فإن ثبت الشهر أعلموا به الناس، وصاموا جميعا، وإلا أفطروا جميعا، {ولا

تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} (آل عمران: 105) .

شراء أوراق اليانصيب وربحها:

(اليانصيب) ضرب من ضروب الميسر التي كثرت في هذا الزمان، كما

كثرت أنواع أخته الخمر، فلا خلاف في تحريمه بين علماء المذاهب الإسلامية كلها،

وأما ربحه من حكومة غير إسلامية في دار الكفر التي لا تنفذ فيها شريعة الإسلام

فمباح؛ إذ لا يمكن التزام أحكامها، واشتراط عقودها في تلك الدار، بل يكفي في

حل أموال أهلها وحكوماتها رضاؤهم، وعدم كونه سرقة، أو خيانة لهم، ولا حاجة

إلى بيان الفرق بين هذا الميسر والميسر الجاهلي؛ فإن كل ميسر حرام، كما أن

كل خمر حرام.

وإن أكثر أنواع الخمر والميسر المستحدثة في هذا الزمان شر مما كان منهما

في عصر نزول الشرع، وإن كان بعض الفقهاء يقول: إن حرمة الخمر المتخذة من

عصير العنب أشد وأغلظ من سائر الخمور، فهؤلاء بنوا قولهم على دعوى لفظية

مرجوحة، والحق الذي بيناه في التفسير أن كل شراب مسكر فهو خمر لغة وشرعا،

وأن شر الخمور أشدها ضررا في العقل والبدن كالتي يسمونها الأشربة الروحية،

ولا سيما المستحدثة بالطرق الأوربية، وكذلك الميسر شر أنواعه ما استحدثه

الأوربيون في هذا الزمان.

الأدوية والأعطار الكحولية:

إذا كان في الأدوية التي يدخلها الكحول أشربة مسكرة، فلا شك في تحريم

شربها وعدم إباحتها إلا في حال الاضطرار التي تبيح المحظور لقوله تعالى: {إلا

ما اضطررتم إليه} (الأنعام: 119) قيل: وما دون الاضطرار من التداوي الذي

يكون بتجربة صحيحة، أو برأي طبيب عدل يصدقه المريض بأن هذا دواء له،

ولا يوجد غيره يقوم مقامه، وقد فصلنا هذا البحث بأدلته من قبل، ولكن يوجد كثير

من الأدوية الجامدة والمائعة التي يدخلها الكحول للتطهير، وإماتة جراثيم الفساد،

ولغير ذلك من حفظ المواد أو تحليلها أوتركيبها، وهي ليست أشربة مسكرة، فهذه

لا وجه للامتناع من التداوي بها، ومثلها الأعطار الإفرنجية المعدة للتعطر،

وللتطهير الطبي، فلا وجه لتحريمها إلا عند من يعتقد أنها خمر نجسة، وقد بينا

بطلان هذا القول في المجلد الرابع من المنار وفي غيره، كالمناظرة فيه بيننا

وبين بعض كبراء علماء الأزهر.

وقد جاءتنا في هذه الأيام فتوى من الهند بتحريم تزيين المساجد بالطلاء الذي

يدخله (الإسبيرتو) ؛ بناء على القول بأنه خمر نجس، وقد سئلنا عن رأينا فيها،

فأجبنا جوابا طويلا ضاق عنه هذا الجزء، وسترونه فيما بعده إن شاء الله تعالى،

وتعلمون منه أن هذه الأدوية والأعطار لا يحرم منها شيء، وإنما يحرم الشراب

المسكر فقط.

البيرة:

(البيرة) شراب مسكر يسمى في اللغة العربية (الجعة) ، فهو محرم قطعا،

وإن كان القليل منه لا يسكر؛ فإن القليل ذريعة إلى الكثير.

خلاصة الفواكه:

إن أنواع الحلوى والمربى التي توضع فيها خلاصة الفواكه - كالموز،

والتفاح - كثيرة في مصر وغيرها من بلاد الإسلام، يأكلها المسلمون من العلماء

وغيرهم، ولم يبلغنا أن أحدا جعلها موضوع خلاف يحتاج فيه إلى الاستفتاء، ولا

نعلم أن منها خمرا، على أن الخمر إذا دخلت في مواد، وطبخت هذه المواد -

خرجت عن كونها خمرا مسكرة، وطهرت على القول بأنها كانت نجسة، وهذا

مذهب الحنفية الراجح المختار عندنا فيها، كما بيناه في الرد على الفتوى الهندية

المشار إليها آنفا.

الاستصباح بزيت البترول:

قد استغربنا سؤالكم عن الاستصباح بزيت البترول، وقولكم: إنه من

المستحدثات في بلاد سيام، فنحن منذ عرفنا الدنيا رأيناه يستصبح به في الدور

والمساجد، ولا وجه لجعله مما يسأل عن حله وحرمته؛ فإن الأصل في جميع

الأشياء النافعة الحل، وإذا وجد شيء جديد ضار - أو فيه ضرر من جهة ونفع من

أخرى - فهو الذي يسأل عن حكمه.

الانتفاع بالغازات: ما قيل في زيت البترول يقال في الغازات، والمستعمل

عندنا في الاستصباح منها غاز الفحم الحجري، وهو كثير في مساجدنا، ومنها

الجامع الأزهر. والله تعالى أعلم.

***

استفتاء آخر

في إسلام أهل سيام المشوب بالأعمال والشعائر الوثنية البوذية

(س46) من صاحب الإمضاء:

ما قولكم، دام فضلكم:

في مسلمين نساؤهم متبرجات تبرجا دونه تبرج الجاهلية الأولى، لا يرين

في أنفسهن عورة سوى السوأتين، يتعاطين أشغال الحياة خارج البيت أكثر من

داخله، ويختلطن مع الرجال الأجانب، ويزاحمنهم في الأسواق والحفلات والولائم

وكل الأشغال، يقلن: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلين الخمس، ويصمن

رمضان ... إلخ، ويحضرن أسواقا خيرية، وحفلات بوذية، يقيمها البوذيون في

معابدهم، ويشتركن معهم فيها في الملهى والميسر في مكان مزدحم، ولا يوجد

أدنى فرق بينهن وبين البوذيات في الزي والهيئة، هذه أوصاف بناتهم ونسائهم،

فهم لم يعرفوا، ولم يعترفوا أن للحياء معنى، وللغيرة مغزى، يهينون من لم

يتزيى بزيهم، ويعيرون من لم يتخلق بأخلاقهم، ويقلدون البوذيين في آدابهم،

وفي الملبس والمسكن والوساخة، وفي بعض الأمور الدينية، وللوثنيين ملبس

خاص قبيح المنظر جدا، ما يستر غير السوأتين، ومسكن عجيب فيه غرفة أو

غرفتان هي قاعة الاستقبال، وقاعة النوم، والأكل معا - أول ما يرى الزائر عند

دخوله المطبخ وما فيه، والمرقد وما حواليه، كما أن وساختهم ليس لها حد،

ولقد صدق القائل: لا عتاب بعد الكفر، ولهم معابد كثيرة قلما يخلو شارع من

معبد أو معبدين، وأقل مساحة كل معبد في بنكوك 600 متر مربع، كذلك تجد

مساجد المسلمين في كل حارة نزلوا فيها من مسجد إلى أربعة يكثرونها بدون أقل

حاجة، يقيمون في كل منها الجمعة، ويتبعونها بالظهر، وكل مسجد معارض

ومعاد للآخر، وكل معجب بما عنده، فجمعتهم تفرق وحدتهم، وتبعث التنافر

والتقاطع والتنابذ بينهم، وعلى ما ظهر تنزل غضب الله عليهم! ، ومع كثرة هذه

المساجد - وفي عاصمة بنكوك فقط فوق عشرين مسجدا جامعا - تجد عدد

مصلي الجمعة في كل مسجد لا يتجاوز العشرين رجلا! ، إلا في مسجدين أحدهما

في (بنكوك نوى) ، والآخر في (وسكيت) ، وهذه المساجد معظمها مقفلة

الأبواب في كل يوم، ولا تفتح إلا في أيام الجمع وليالي رمضان، وعند حضور

الجنازات، كما أن معابد الوثنيين لا يفتحونها إلا في أيام معلومة، وصلاة

الجماعة مفقودة في غير مسجدين أو ثلاثة، كأن لم يكن لهم علم بأنها من شعائر

الإسلام والمسلمين.

والمتوظفون في هذه المساجد والمتدينون عندهم محلقو الرؤوس شعث غبر

متقشفون، تاركو التجارة والصناعة، والحياة الشريفة لأهل الدنيا، فمن يحلق

رأسه، أو ينظف أسنانه، أو يصلح زيه - يعد عندهم مارقا! ، فمعاشهم يأتيهم

رغدا من ثمار ترغيب القوم وترهيبهم في فدية الصلاة والصوم وصلاة الجنائز،

ولا يحضر أحد لصلاة الجنازة إلا بدعوة من المصاب، فأموات الفقراء يعد

المصلون عليهم بالأصابع، وأما الأغنياء فلا تسل، ومن الولائم وإهداء ثواب

الذكر والقرآن، بل بيعه لأموات الأغنياء والمثرين، ومن استنزاف ما بأيدي

الناس من الصدقات بالترغيب في وضعها في أيدي العلماء والصالحين، والترهيب

من أن تقع صدقة في يد الجهلاء والطالحين، فكم من مسلم فقير عضه الدهر

بأنيابه لم ينظر إليه أخوه المسلم، وكم، وكم؛ لأن هذا في عينهم ليس من

المستحقين للبر لفقره، أو لأنه غير محلوق الشعر!

وكل فقيه من فقهائهم أو إمام من أئمتهم - عدا أهل بنكوك نوى - يشحذ،

والشحاذة شعار علمائهم والمتدينين منهم، فإذا خرج فقيه إلى القرى يشحذ، وحصل

كثيرا - صار كبيرا مقدما يفوق أقرانه! وكثير من أئمتهم وعلمائهم من يملك

أموالا طائلة من الذهب والفضة والأطيان، ولكن لا يزكونها؛ إذ هم عند قرب

حلول الحول يهبونها لأولادهم ونسائهم، فيصبحون فقراء يستحقون الصدقات،

فيجولون من بادية إلى بادية، ومن بيت إلى بيت يشحذون، فبعد انصرام موسم

الحصاد، وانقضاء الحاجة يستردون الأموال من أولادهم ونسائهم، ويقرضون

المعوزين، ويأخذون منهم خمسة في المئة شهريا، ويستحلونها بطرق يستنبطونها

من قواعد فقههم، أو يعطونهم ورقة بنكنوت قيمتها 10،00 تيكلس مثلا، بشرط أن

يؤدوها بخسمة عشر تيكلسا فضة، وهم لا يرون زكاة في أوراق البنكنوت، فتفتح

لهم الأبواب، يدخلون فيها زمرا فرحين مستبشرين بما أوحى إليهم كبار علمائهم.

والخلاصة أنهم - في دينهم ودنياهم - على غير المألوف في المسلمين في

أقطار العالم، وما من مسلم فاضل ينزل عندهم إلا ولسان حاله يقول:

بليت بقوم لا أريد ودادهم ... فأكرههم جدا مع البعد والقرب

ولكنني أصطاد رزقي بأرضهم ... ولا بد للصياد من صحبة الكلب

فالمرجو أن تبينوا لنا حكم هؤلاء، هل هم فسقة تسقط عدالتهم أمام الشرع

الحنيف أم لا؟ ، فهذا الذي ذكرت قليل من كثير مما هم عليه من الخزي والضلال

وما راء كمن سمع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

... ... ... ... ... ... ... ... ... أحمد عبد الوهاب

(المنار)

إن إطلاق لقب الفسق وسقوط العدالة بالمعنى المعروف أقل ما يقال في هؤلاء

الناس، وكنت أود لو أعرف شيئا عن تاريخ دخولهم في الإسلام، وكيف يتعلمه

الذكور والإناث في هذه الأيام، وهل يعرف عوامهم العربية، وماذا يوجد عندهم

من كتب العقائد والفقه، وما يحسن أن يرسل إليهم منها - ولو بغير ثمن - إن

كانوا يقرؤون.

إن ما ذكر السائل عنهم - وقال إنه قليل من ضلالاتهم الكثيرة - يشمل

عشرات من المعاصي المجمع على تحريمها، دع ما فيه خلاف منها، هل هو فسق

أو كفر، أو هل هو من الكبائر أو الصغائر، ولعلنا نفصلها في مقال خاص.

إن بعض هذه الفواحش والمنكرات مما يكفر جميع علماء المذاهب الإسلامية

من يستحله؛ لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا سيما مشاركة الوثنيين في

عبادتهم وأكل الربا ومنع الزكاة وإظهار عورات النساء للرجال على الوجه المبين

في السؤال، ولا يعذر مرتكبو أمثال هذه الكبائر إلا إذا كانوا حديثي عهد بالإسلام،

بحيث لم تبلغهم أحكامه في هذه المسائل، وظاهر ما ذكرتم من أمرهم أن منهم فقهاء

على مذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، ولعل بلاءهم من فقهاءهم كأكثر

عوام المسلمين الذين لا يهتم فقهاؤهم بنشر الدين فيهم، ويكرهون كل من يرشدهم

إليه، ويصدونهم عنه، أو ليسوا هم الذين كتبتم إلينا أنهم يصدون عن (المنار) ،

ويعادون قراءه (ويرمونهم بألسنة حداد، ويجعلونهم من المفسدين لآثار الآباء

والأجداد) ، فما الحيلة في هداية عامتهم إذا كانت هذه حالة علمائهم؟ ! :

يا معشر القراء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد

من غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يفعل من قد غص بالماء

والذي نراه أنه إذا أمكن إطلاع هؤلاء الناس على حكم الله فيما هم فيه -

وكانوا في جملتهم مذعنين لأصل الدين - فلا بد أن يهتدي كثير منهم، وإذا كانوا

يعرفون العربية فيحسن إطلاعهم على كتاب (الزواجر) للفقيه ابن حجر المكي

الشافعي، ونحن مستعدون لما نكلفه من السعي لهدايتهم.

وأما إذا كانوا لا يذعنون لما يعلمون من دين الله قطعا - فلا يعتد بإسلامهم،

ولا يعبأ بصلاتهم ولا بصيامهم؛ لأن شرط صحة الإسلام أن يذعن المؤمن لكل ما

علم أنه منه، ولا يستحل مخالفة شيء منه، ولا يقول نؤمن ببعض، ونكفر ببعض،

وإلا كان متبعا لهواه، لا لما شرعه الله.

﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا﴾ (الفرقان: 43) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٣ · الصفحة ٥٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٣ · ص ٥٨٤