ذكرى رينان في الجامعة المصرية
محاضرة الشيخ مصطفى عبد الرازق في رينان والأفغاني
(رينان) كاتب بليغ من كتاب الفرنسيس وملاحدتهم اشتهر اسمه في مصر
وبعض البلاد العربية الأخرى بخطاب (محاضرة) موضوعه (الإسلام والعلم)
وجه به قوة فصاحته وبلاغته الخلابة إلى الطعن في الدين الإسلامي والأمة العربية
لينقض بها ما شاده علماء فرنسة الفلاسفة الأعلام وغيرهم من التاريخ المجيد للعرب
والإسلام، وفي مقدمتهم الفيلسوف الاجتماعي الكبير (غوستاف لوبون) صاحب
كتاب (حضارة العرب) الذي سارت بذكره الركبان، والعلامة (سديو) الشهير
صاحب كتاب (تاريخ العرب) ولكنه تكلم بجهل وتكلموا بعلم.
وقد كان من مثار العجب للناس أن الجامعة المصرية أقامت حفلة حافلة لذكرى
(رينان) بمناسبة انقضاء قرن من عهد ولادته وحاروا في استنباط الباعث لأساتذة
الجامعة على اختيار هذا الملحد الطاعن في دين الإسلام وفي المسيحية أيضا
للإشادة بذكره وإعلاء قدره، على عدم حفظ أي منقبة له نفع بها البشر فأصاب هذه
البلاد وهذه الأمة حظ منها يستحق بها ذلك عليها، والعهد قريب باحتفال فرنسة
وغيرها بذكرى عالم من علمائها بل من أكبر علماء الأرض ومكتشفيهم نفع البشر
كلهم بعلمه واكتشافاته وهو (باستور) الشهير، فلماذا لم تحتفل الجامعة بإحياء ذكره
وإعلاء قدره؟
وقد كان الدكتور طه حسين أحد مدرسي الجامعة المصرية ينشر في هذه
الأثناء التي وقع فيها الاحتفال بذكرى (رينان) مقالات في جريدة السياسة يحاول
فيها إثبات انتشار الارتياب في الدين الإسلامي، والإلحاد، والفسق عنه في أهل
القرن الثاني والثالث للهجرة الإسلامية في بلاد الحضارة العربية كالعراق بل في
الحجاز أيضا!! ويستدل على ذلك بشبهات كشبهات رينان، كما أخبرنا الثقات الذين
رد بعضهم عليه.
وفي إثر ذلك نشر في الجرائد إعلان يبشر الناس بأن الأستاذ الشيخ مصطفى
عبد الرازق سيلقي في الجامعة المصرية محاضرة موضوعها (الفيلسوف رينان
وجمال الدين الأفغاني) فظننا نحن وأمثالنا أنه يريد بهذه المحاضرة أن يمحو سيئة
ذلك الاحتفال بالإشادة بفضل فيلسوف الإسلام السيد الحسيني سليل البضعة النبوية
الطاهرة الذي اشتهر عنه أنه رد على محاضرة رينان في وقتها بما هدم بنيانها
وقوض أركانها، وقد أممنا دار الجامعة في مساء اليوم الثاني من شعبان (20
مارس) مع الكثيرين لسماع محاضرته فلما سمعناها دهشنا وخاب أملنا، فخرجنا
من دار الجامعة إلى دار جريدة الأهرام لموعد اجتماع مجلس إدارة نقابة الصحافة
فيها فخف بنا كثيرون ممن خرج معنا من الأزهريين وغيرهم فرأيناهم مستائين مما
سمعوا كارهين له، فذكرنا لهم بعض ما في الخطاب من الخطأ والخطل والضعف
في المحاضرة فتمنوا لو يكتب فوعدناهم بذلك، وقد كتبنا في تلك الليلة العجالة
التالية لجريدة الأهرام:
محاضرة الشيخ مصطفى عبد الرازق
موسيو رينان وجمال الدين
نظرة عجلى:
حضرت هذه المحاضرة في الجامعة المصرية وكنت قد سمعت من شيخنا
الأستاذ الإمام كلمة مجملة عن رد السيد على (رينان) فهمت منها ما سأذكره بعد.
كنت أظن أن سأسمع ما قاله (رينان) في الإسلام مفصلا، وأن يكون فيه
شبهات ومطاعن دقيقة تحتاج إلى حجج جمال الدين وقوة عارضته فخاب ظني،
وكنت أنتظر أن أسمع تتمة المحاضرة المعلن عنها في الصحف، وهي ما كان بين
رينان ومحمد عبده لأرى هل أسمع عنه ضد ما أعلم منه عن نفسه، كما سمعت ضد
ما أعلم منه عن أستاذه، ولكن الأستاذ صاحب المحاضرة أطال في المقدمة فضاق
الوقت المعين عن الخاتمة، وهي على ما أظن رد الشيخ محمد عبده على رينان.
طعن رينان في الإسلام بأنه عدو العلم والعقل وطعن في العرب بأن عقولهم
قاصرة بطبعها غير مستعدة لفهم الفلسفة وما وراء الطبيعة، وكل ما ذكر في
المحاضرة من تلخيص كلامه يدل على أنه لم يكن يعرف من أصول الإسلام شيئا