تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لله دون آخ لما قيل من أنه من أسماء الشيطان، ونقل الباجوري قوله هذا، ولكنه لم

يذكر صيغة التمريض في كون آخ من أسماء الشيطان، وقول المناوي هو الصحيح؛

لأنه أعلمهم بالحديث والآثار وبالتصوف على أنهم كلهم ذكروا كلمة (آه) بالمد،

ولم يذكر أحد منهم قولا في لفظة (أه) التي يدعيها المعترض، فسقط كل ما قاله

ولم يفده قول أحد منهم، بل كلهم حجة عليه لا له، فيا ليت شعري هل يرجع ذلك

الشاذلي المعترض وأمثاله إلى الحق بعدما تبين له أن كل ما استند إليه أهل طريقته

في ذلك باطل عملا بعنوان اعتراضه (الرجوع إلى الحق فضيلة) ، إلا إذا وافق

الهوى التقليدي وإن كان كذبا على الله ورسوله ومخالفا لما كان عليه السلف الصالح

ومحققو الخلف في ذلك؟

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الرحلة السورية الثانية

(4)

طرابلس والقلمون

ما حزنني من سوء حال بلاد سورية الاجتماعية والأدبية شيء كما حزنني

حال طرابلس والقلمون حيث نشأت وترعرت، فقد كانت طرابلس خير المدن

السورية في العلوم الشرعية والأدبية، والعيشة الراضية الهنية، كما كانت القلمون

خير البلاد الصغيرة في ذلك، أو (سيدة القرى والمزارع) كما وصفت في السجل

الأعظم (دركنار) لبلاد الدولة العثمانية في الباب العالي كما روي لنا، وذلك أن

جميع أهلها كانوا سادة شرفاء، وأتقياء نجباء، قد ولدت ولله الحمد فيها، ونشأت

في بيت الكرم والمجد الأثيل منها، فكنت من أول العهد بالتمييز أرى العلماء

والأدباء والحكماء والوجهاء تغشى دارنا، وتعشو إلى ضوء نارنا، بل كنت أرى

فيها الضيوف من بلاد المحلة مكرمين على اختلاف مللهم ومذاهبهم، وكان مسجدها

عامرا دائما بإقامة شعائر العبادة وقراءة دروس العلم والوعظ، وقد عشت ما عشت

فيها ولم أر أحدا ارتكب فاحشة أو شرب مسكرا، أو أتى منكرا إلا ما كان ينسب

إلى أفراد قلائل من ارتكاب سرقة الفاكهة أوالزيتون والليمون، وما كان يقع بين

بعض المتخاصمين والمتنازعين من التضارب بالعصي أحيانا وبالمدى نادرا، وقلما

رأيت شيئا من ذلك بعيني.

وإني قد شببت فيها وأنا أعتقد أن الذين يقترفون كبائر الإثم والفوحش في الدنيا

أفذاذ قليل عددهم في كل مكان، وأكثرهم في المدن أو البوادي، ولذلك كنت أجتنب

معاشرة أكثر الناس في طرابلس عندما كنت أطلب العلم فيها، على ما ذكرت من

فضلها على غيرها، حتى إنني إلى اليوم لا أعرف جميع أسماء الذين قضيت معهم

السنين الطوال في المدرسة، وكانت مدارس العلم يومئذ عامرة وطلابه كثيري العدد،

وكانت دور أهل العلم والأدب أندية وسمارا تكثر فيها المطارحات العلمية،

والمساجلات الأدبية، ولم تكن الخمر معروفة في شيء من ملاهيها العامة (القهاوي)

ولا الرقص، وكل ما كنت أعلمه في هذا أن في حارة النصارى ملهى في بستان اسمه

الزهرية يشربون فيه الخمر، ويختلف إليه بعض أهل الدعارة من المسلمين، ولكنني

لم أر في أثناء إقامتي فيها لطلب العلم من السكارى إلا عبدا أسود وشابا وطنيا من

فقراء السوقة يبيع الحمص المملح والملبس بالسكر، وإنما نسمع أحيانا بعض أخبار

الفساق من المنكرين عليهم والقادحين فيهم؛ إذ يغلب عليهم التستر ويندر فيهم التهتك،

كاجتماع بعض أهل الدعارة في مجالسهم الخاصة في بيوتهم، على مائدة الخمر، أو

شربها على مائدة الطعام، وإنما كان يفعل هذا من المسلمين أكثر الموظفين من الترك

حتى بعض قضاة الشرع، وكان هؤلاء الموظفون يحرصون على إغواء وجهاء

المسلمين الذين يعاشرونهم بإغرائهم بالشرب معهم كدأب أهل السكر في كل مكان،

وقل من كان يستجيب لهم من قرنائهم أو مرؤوسيهم ولو بقبول الكأس من أيديهم مرة

واحدة، ومن طرقهم في ذلك ما سمعته في دارنا من أحد المتصرفين، فقد سألنا:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٧١