تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شعبان - 1341ه

أبريل - 1923م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الخلافة الإسلامية

(5)

33- كراهية غير المسلمين لحكومة الخلافة:

قد يقول قائل: إن غير المسلمين في البلاد التي توصف بالإسلامية (نسبة

للسواد الأعظم من أهلها) يكرهون أن تؤسس حكومة الخلافة فيها، ولا سيما

النصارى الذين يرون أن ضعف النفوذ والتشريع والآداب والتقاليد الإسلامية في كل

بلد إسلامي إنما يكون بقوة نفوذ الإفرنج وتشريعهم وآدابهم وتقاليدهم - وكذا لغاتهم -

وبذلك تكون مقومات الأمة ومشخصاتها أقرب إلى النصرانية منها إلى الإسلام، ومن

لم يؤمن بالعقيدة النصرانية والوصايا الإنجيلية بمحبة الأعداء وكراهية الغنى وإدارة

الخد الأيسر لمن يضربه على خده الأيمن - فإنه قد يكون أشد استمساكا بالنصرانية

الاجتماعية السياسية أقوى من المؤمنين بالإنجيل إيمانا، فتلك النصرانية المزورة

التي تنسب إليها المدنية المادية الأوربية هي مثار التعصب والكراهة لكل ما هو

إسلامي، لا نصرانية الإنجيل الزاهدة المتواضعة الخاشعة ذات الإيثار الذي يسمونه

(إنكار الذات) .

وإذا كان أمثالهم من متفرنجة المسلمين يكرهون الحكومة الدينية ويعارضون

في إحياء منصب الخلافة، أفلا يكون متفرنجة النصارى أولى؟ وإذا كان الأمر

كذلك فكيف نعود إلى تجديد حكومة دينية يكرهها كثير من رعاياها وينفرون منها؟

الجواب عن هذا يحتاج إلى تفصيل نكتفي بالضروري منه فنقول: إذا صح

ما يعزى إلى من ذكر من أهل الوطن بمقتضى العاطفة وتأثير التربية فإن من

يمحص الحقيقة وينظر إليها بعين المصلحة سواء كان منهم أو من غيرهم فإنهم

يحكمون فيها حكما آخر.

إن حكومة الخلافة إسلامية مدنية قائمة على أساس العدل والمساواة إلا أن

لغير المسلمين فيها من الحرية الشخصية ما ليس للمرتد والمنافق من المسلمين،

فهؤلاء يريدون أن يكون الإسلام رابطة جنسية أدبية حرة بحيث يكون لهم في

حكومته جميع حقوق المسلمين الشرعية والعرفية والقانونية، وإن صرحوا بأنهم لا

يدينون الله بالإيمان بعقيدته ولا بإقامة أركانه وشعائره وهم يعلمون أن الحكومة

الإسلامية لا تعطيهم شيئا من ذلك، حتى إن المرأة إذا علمت من زوجها أنه ارتد عن

الإسلام حرم عليها أن تقيم معه وتستمر على عصمته، وأحكام المرتدين معروفة،

فأمرهم أغلظ من أمر الوثنيين، دع الكتابيين الذين تحل ذبائحهم والتزوج

بالمحصنات من نسائهم، ولا تعاقب الحكومة الإسلامية غير المسلمين على كل

شيء يحل لهم في دينهم - وإن لم يكن حلالا في الإسلام - إلا ما فيه إيذاء لغيرهم -

بل لا تحاسبهم على شيء من أعمالهم الشخصية التي لا تضر المسلمين ولا غيرهم

من رعيتها وإن خالفت دينهم، ولكنها تحاسب المسلمين وتعاقبهم على المعاصي

بالحدود وأنواع التعزير كالتوبيخ والحبس، وذلك أن من أصول الإسلام حفظ

الآداب والفضائل ومنع الفواحش والمنكرات، وقد وصف الله المسلمين بقوله:

{الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا

عن المنكر} (الحج: 41) وقال فيهم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس

تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران: 110) وأحكام الردة

والحسبة في الإسلام معروفة.

فعلم بهذا أن ملاحدة المسلمين وفساقهم المستهترين أجدر أن يكونوا أشد

كراهية لإقامة أحكام الشريعة من غير المسلمين؛ لأنها تكلفهم ما لا تكلف غيرهم

وتؤاخذهم بما لا تؤاخذهم به، وقد اقترح بعض هؤلاء الملاحدة على جماعة المؤتمر

السوري العام الذي عقد في دمشق أن يقرروا جعل الحكومة السورية غير دينية،

ولا أذكر أن أحدا من الأعضاء النصارى وافق على الاقتراح، بل صرح بعضهم

برده كأكثر المسلمين، واقترح في ذلك المؤتمر أن تقيد مادة الحرية الشخصية من

القانون الأساسي بقيد عدم الإخلال بالآداب العامة، فرد هذا الاقتراح بعض هؤلاء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١١٩