تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المجلد رقم (22)

ربيع الأول - 1339ه

ديسمبر - 1920م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

فاتحة المجلد الثاني والعشرين

بسم الله الرحمن الرحيم

سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله

غيرك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، فنحمدك بما حمدت به

نفسك في كتابك، ونصلي ونسلم على أنبيائك ورسلك {الحمد لله وسلام على عباده

الذين اصطفى} (النمل: 59) وتحياته المباركات وصلواته الطيبات على خاتم

رسله محمد المصطفى، وآله المطهرين وأصحابه الحنفا، وعلى من اتبع هديهم

واقتفى {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه

ترجعون} (القصص: 70) .

سبحانك اللهم وبحمدك، حكمت فعدلت، وقدرت فهديت، وانتقمت فقهرت،

فلك الحمد في السراء والضراء وحين البأس، لا قنوط من رحمتك ولا يأس،

فأسألك من رحمتك العامة للعالمين، ومن رحمتك الخاصة للمسلمين، ووفقني اللهم

للقيام في هذا المنار بالنصيحة الحق، النافعة لكل من بلغته من الخلق، ووفق اللهم

أئمة هذه الأمة وأمراءها، وقادتها وزعماءها إلى ما تخرجها به من ظلمات هذه

الفتن إلى النور الفائض من مطالع آياتك البينات، المنبسط شعاعه على الخلق

بسننك في سير البشر ونظام الكائنات، ليعلموا أن الغلو في الدين، مضيعة للدنيا

والدين، وأن الغرور بالدنيا مهلكة للمغرورين، وأن سنة الله تعالى في رد الفعل

إلى سواء الصراط، يتعاقب في سبيله التفريط والإفراط، {وقل الحمد لله سيريكم

آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون} (النمل: 93) .

سبحانك الله وبحمدك، أريتنا من آياتك في أنفسنا وفي الآفاق ما يتبين به

الحق، لمن زكت فطرته واستنارت بصيرته من الخلق، فوفقنا لمعرفة ما نراه منها

في هذا الزمان، معرفة اعتبار وحكمة وإيمان، كما وفقت لذلك آباءنا الأولين،

وسلفنا الصالحن؛ لنكون كما كانوا من الأئمة الوارثين، الجامعين بين سيادة الدنيا

وهداية الدين، إذا أوغلنا في الدين نوغل برفق فلا نغلو غلو المغرورين، وإذا

حكمنا بين الناس نحكم بالعدل فلا نعلو علو الجبارين، وإذا تصرفنا بما أحللت لنا

من الزينة والطيبات من الرزق نتصرف تصرف الشاكرين، فلا نستأثر بالنعمة

أثرة المسرفين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون {يعرفون نعمت الله ثم

ينكرونها وأكثرهم الكافرون} (النحل: 83) .

سبحانك اللهم وبحمدك، أريتنا آياتك فإن جحدها أقوام فقد عرفناها وما نحن

لها بجاحدين، وعرفتنا نعمتك فإن يكفر بها الأكثرون فما نحن بها بكافرين، وقد

أنزلت عقابك الحق بالباغين الجبارين، وبالمترفين المسرفين، وبمن ذل لكبريائهم

ودان لطغيانهم من الجاهلين المفرطين، فاجعل اللهم ذلك عبرة وموعظة لنا، ولا

تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارفع اللهم مقتك وغضبك عنا، فقد آن أن يستدير

الزمان، ويتجدد إعجاز القرآن، فيتوب الفاسقون، ويوقن المرتابون ويؤمن

الجاحدون {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون *

في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله

ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر

الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} (الروم: 1-7) .

سبحانك اللهم وبحمدك، أريتنا من جهل أعلم الناس بشؤون خلقك، ما أقمت

به الحجة البالغة على صدق قولك وإحاطة علمك، فقد غلب الروس الذين كانوا

يعدون الخطر الأكبر على الإسلام، كما غلبت الروم في عهد ظهور النبي - عليه

الصلاة والسلام -، ثم غلبت الشعوب الجرمانية، وظهر جهلها بما كانت به أعلم

الشعوب من الفنون الحربية، ثم ظهر جهل أعلم الأقوام بجمع الثروة وحفظ المال

فكانوا من الخاسرين، وظهر جهل أعلم الأمم بشؤون الإدارة والاستعمار فكانوا من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١