ذو القعدة - 1341ه
يوليو - 1923م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
التصرف في الكون
وحكم من ادعى أن الله أعطى حق التصرف في ملكه
للسيد البدوي
(س21) جاء في عدد جريدة الأهرام التي صدرت في 24 ذي القعدة و9
يوليو تحت عنوان (أفتونا برأيكم) رسالة من مراسلها في بركة السبع هذا نصها:
(حدث أمس في جامع الدبابة نزاع بين المصلين سببه أن إمام البلدة عند
الصلاة في خطبة الجمعة قال: إن الله سبحانه وتعالى أعطى السيد البدوي حق
التصرف بملكه العزيز) .
(فقاطعه أستاذ آخر وقال له: إنه كاذب؛ إذ إنه طبقا لشريعة الإسلام لا
يكون لله شريك) .
(فترتب على ذلك قطع الصلاة بضع دقائق حصل في فترتها نزاع بين
المصلين، ولما وصل ضابط بوليس بركة السبع أفهمهم أن المسألة دينية لا تستلزم
إلا الاستفتاء، وتمكن من إصلاح ذات البين بين الأستاذين فاستحق حضرته ثناء
الحاضرين. فما رأي أصحاب الفضيلة العلماء في هذا الخلاف في الرأي ا. ه.
وقد طلب منا بعض علماء الأزهر وغيرهم أن نجيب عن هذا السؤال، فنقول
وبالله التوفيق ونسأله الهداية للصواب:
(الجواب) المراد بالتصرف في الكون أن الله تعالى قد وكل أمور العالم إلى
بعض الصالحين من الأحياء والميتين فهم يفعلون في الكون ما شاءوا بالخوارق لا
بالأسباب المشتركة العامة من بسط الرزق لبعض الناس وقدره - أي تضييقه على
بعض - ومن شفاء المرضى، وإحياء الموتى وإماتة بعض الأصحاء الذين ينكرون
عليهم أو الذين يستعديهم عليهم بعض زوارهم، والمتقربين بالنذور والهدايا
لأضرحتهم، وغير ذلك من أمور الناس وأمور الكون كالرياح والبحار والجبال
والحيوان والنبات. كما حكي عن بعضهم أنه مد رجله مرة وقال: إن سفينة خرقت
في البحر وأشرفت على الغرق فاستغاث به بعض راكبيها فمد رجله وسد بها ذلك
الخرق، وذكروا أن ذلك المستغيث رأى عقب استغاثته رجل الشيخ قد سدت ذلك
الخرق ونجت السفينة.
وسمعت مرة امرأة تستصرخ المتبولي وتستغيث به بوجد وجؤار تستعديه على
رجل آذاها (تحيله عليه) لينتقم منه. فقلت لها: لماذا لم تطلبي من الرب تعالى
أن يجازيه؟ فقالت ما معناه: إن الله يمهل والمتبولي لا يمهل، واستدلت على ذلك
بأن رجلا سرق فسيخة فأحال عليه صاحبها المتبولي فما عتم أن قيأه إياها.
وأمثال هذه الحكايات عنهم كثيرة جدا لعله لا يوجد أحد لم يسمع منها ما لم
يسمعه غيره، دع ما يتداوله الكثيرون في كل بلد وكل جيل مما يعدونه متواترا،
وما المتواتر إلا نقل الكثيرين عن (المفتري) الأول الذي اختلق الحكاية أو تخيلها أو
توهمها فقصها وتناقلها عنه أمثاله.
وليست هذه الحكايات كلها من مفتريات العوام الأميين ومن هم على مقربة
منهم في قبول الأوهام والخرافات، بل تجد كتب المتصوفة محشوة بها؛ لأنها
أدخلت في عقائد الملة من أبواب ما يسمونه كرامات الأولياء، وهي تكثر في
المسلمين على نسبة إعراضهم عن الدين علما وعملا، فالمنقول عن الصحابة
رضي الله عنهم، وهم خير هذه الأمة بإجماع أهلها تبعا للنص على ذلك من النبي
صلى الله عليه وسلم قليل جدا وأقله ما روي بإسناد آحادي قوي، وليس فيه شيء
قطعي، وما روي عن التابعين أكثر، ولكنه لا يعد شيئا يذكر في عدده، ولا في
نوعه بالنسبة إلى ما اختلق في القرون الوسطى وتسلسل إلى هذا العصر.
ففي بعض كتب الرفاعية أن الشيخ أحمد الرفاعي كان يفقر ويغني، ويسعد
ويشقي، ويميت ويحيي - أي وإن حصر القرآن مثل هذا في عمل الخالق بقوله:
﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ (النجم: 48) ﴿وأنه هو أمات وأحيا﴾ (النجم:
44) وأنه وصل إلى درجة صارت السموات السبع في رجله كالخلخال، وأن
الله تعالى وعده بأن من مسه لا تحرقه النار في الدنيا ولا في الآخرة، وأن هذا له
ولمريديه وأتباعه إلى يوم القيامة، وذكروا أن سبب إخباره إياهم بهذه (الكرامة)