تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخيال في الشعر العربي

(5)

التفاضل في التخييل

أتينا في الفصل الذي كنا بصدد تحريره على الوجوه التي تفضل بها صور

المعاني التخييلية، أعني غرابة الجامع بين الأجزاء المؤلفة، ثم التوسع في الخيال

وبعده عن البساطة مع الالتئام بالذوق السليم، فينصح لمن انتصب للموازنة بين

الشعراء في التخييل أن يتخذ هذه الوجوه مدخلا للحكم وأساسا يبني عليه في

التفضيل.

تعقد الموازنة تارة بالنظر إلى معنى خاص يتناوله كل من الشاعرين، وهذا

إما أن تتحد الواقعة فيه أو تختلف، وتارة تجري في غرض خاص يصوره كل

منهما بغير ما يصوره به الآخر، فهذه ثلاث حالات تضاف إليها حالة رابعة، وهي

المفاضلة بين الشاعرين يختلفان معنى وغرضا، وحالة خامسة وهي أن تقام

الموازنة بين الشاعرين على أن يقضى لأحدهما بالأفضلية المطلقة.

الحالة الأولى: أعني ما تعقد فيه الموازنة بالنظر إلى معنى خاص والواقعة واحدة؛ كقول أبي عبد الله بن الزين النحوي يصف بركة نثر عليها الياسمين:

نثر الغلام الياسمين ببركة ... مملوءة من مائها المتدفق

فكأنه نثر النجوم بأسرها ... في يوم صحو في سماء أزرق [1]

فإذا قسته بقول علي بن ظافر في هذه البركة نفسها:

زهر الياسمين ينثر في الماء ... أم الزهر في أديم السماء

ظل يحكي عقود در على صدر ... فتاة في حلة زرقاء

رأيت كلا من الشاعرين شبه الياسمين بالنجوم بادية في السماء، وتشبيه ابن

الزين في هذا الوجه أجود؛ لأنه ذهب به الخيال إلى تفاصيل لم يأت عليها ابن

ظافر، فإذا التفت إلى تشبيه ابن ظافر في البيت الثاني رأيت خطور هيئة النجوم

والسماء عند مشاهدة الياسمين يطفو فوق الماء، أقرب من خطور عقود الدر تتقلدها

الفتاة المتبرجة في حلة زرقاء، فيكون تشبيه علي بن ظافر أجود؛ لندرة المشبه به

وقلة ابتذاله بمشاهدة كل ذي عين باصرة، ولولا أن ابن الزين أسند نثر النجوم إلى

الغلام، ونبه على كثرة الياسمين بقوله: نثر النجوم بأسرها لانتفت عنه المزية،

وكان تشبيهه من التخيلات الموضوعة في طريق كل من خطر على باله أن يذهب

في تصوير المعنى من باب التشبيه، ومن هذا الضرب قول ابن المنجم يصف

مطلع الهلال عند غروب الشمس:

وعشاء كأنما الأفق فيه ... لازرود مرصع بنضار

قلت لما دنت لمغربها الشمس ... ولاح الهلال للنظار

أقرض الشرق صنوه الغرب دينارا ... فأعطاه الرهن نصف سوار

مع قول ابن قلاقس ولم يطلع على ما قاله ابن المنجم:

لا تظنوا الظلام قد أخذ الشمس ... وأعطى النهار هذا الهلالا

إنما الشرق أقرض الغرب دينارا ... فأعطاه رهنه خلخالا

فقد سار الشاعران في التخييل على طريق واحد، وزاد ابن المنجم على ابن

قلاقس نظرة في السوار فلم يأخذ منه إلا المقدار الذي يطابق حال الهلال

وهو الشطر، فكان تخيله أحكم وقعا.

الحالة الثانية: وهي ما تكون الواقعة فيها مختلفة كقول بعضهم:

خلقنا لهم في كل عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عينا وحاجبا

مع قول ابن نباتة:

خرقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب

فقد اتفق الشاعران على تصوير المعنى وهو تأثير السيوف والرماح في

أجسام الأعداء، ولكن تصوير ابن نباتة أجود؛ لأنه يزيد على الأول بما فيه من

الإيماء إلى انهزامهم وتوليهم بظهورهم حتى تصنع فيها الرماح والسيوف عيونا

وحواجب.

ولا يغيب عنك أن تفضيل بيت ابن نباتة إنما يتم إذا تماثلت الواقعتان، أو كان

كل من البيتين صادرا عن تخييل محض، وأما إذا قصد كل من الشاعرين وصف

الواقع، وكان الأعداء المشار إليهم في البيت الأول لم ينهزموا، بل ثبتوا للطعن في

وجوههم إلى أن وقعوا على مضاجعهم، أو لم ينلهم السلاح بعد أن ولوا مدبرين - لم

يكن لك أن تفضل عليه بيت ابن نباتة من جهة التخييل، وإن أشار إلى معنى يعود

إلى مدح قومه بالشجاعة والمهارة في الطعن والضرب.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٧٠