تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الاقتداء في الصلاة

بمتخذي الوسطاء والشفعاء عند الله

وما يتبع ذلك في حقيقة الإسلام والارتداد عنه

س2 جاءنا هذا السؤال من جماعة الموحدين في دمياط ومعه عنوان واحد

منهم لنجيبه، فرأينا أنه يجب نشره والجواب عنه في المنار، وهو:

حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد رشيد رضا صاحب إدارة المنار العامرة.

تحية إخلاص تحدوها إليكم روح الإسلام، وبعد، فلما كانت ثقتنا لا تنحصر

بغير عالميتكم؛ لسعة اطلاعها بنور الإله الواحد الهادي إلى الصراط المستقيم سيما

في معضلات الأمور التي يتوقف صلاح الدين عليها، رجوناكم للسؤال الآتي وهو:

هل تصح الصلاة خلف متخذي الشفعاء والوسائط من مسلمي هذا الزمان أم لا

تصح؟

وفي الختام نلهج جميعا بتكرار الرجاء ونردده باسم الدين الإسلامي الحنيف أن

لا يضن الأستاذ الإمام على طائفة تقلب وجهها في السماء لهفا بالجواب على هذا

السؤال وافيا.

هذا وإن أمكن الأستاذ الإمام نشر الجواب في المجلة الطائر ذكرها بين أقطار

المشارق والمغارب فبها وياحبذا، وإلا فنرجوه جميعا ألا نحرم من الرد بالعنوان

طيه، ولكم من الله تعالى الشكر والأجر إن شاء الله، والسلام. الموحدون بدمياط.

(ج) الظاهر أن السائلين يعنون بمتخذي الشفعاء والوسطاء عند الله من يصدق

عليهم قوله تعالى في مشركي العرب: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا

ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (يونس: 18) ، وإنهم مرتابون في

الاقتداء بهم في الصلاة مع هذا الشرك الصريح؛ لأنهم يأتونه عن جهل ويحسبون

أنه طاعة لله وعمل بدينه، وهم مؤمنون إجمالا بالله، وبأن كل ما جاء به عنه خاتم

رسله محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو حق، وإيمانهم بذلك إيمان إذعان؛ لأنهم

يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون بيت الله من استطاع

منهم إليه سبيلا، فموضع الإشكال على هذا ما يصدر عنهم من العبادة الشركية لغير

الله تعالى؛ كدعاء الموتى من الصالحين والتمسح بقبورهم، والطواف بها وببعض

النبات والجماد لشفاء الأمراض وتفريج الكروب وتوسيع الرزق، وغير ذلك من

الأعمال والاعتقادات المنافية للتوحيد الذي جاء به الرسل - عليهم الصلاة والسلام

- وهو أن لا يعبد إلا الله، وأن يخلص له الدين وحده، فلا يدعى معه أحد - هل

هي من أعمال الشرك المجمع عليها، المعلومة من الدين بالضرورة، فلا يعذر الجاهل

بها كما يقول المتكلمون والفقهاء، أم هي مما يخفى على غير العلماء الأعلام،

العارفين بحقيقة ما كان عليه الصدر الأول من قواعد الإسلام، فيعد الجاهل بها

والمتأول فيها معذورا، وإسلامه وما يترتب عليه من الأعمال صحيحا؟ ثم إذا كان

أس الدين مما يعذر جاهله، وهو توحيد العبادة وإخلاصها لله تعالى بالتوجه إليه فيها

وحده، ولا سيما الدعاء الذي هو مخها ولبابها، فأي قاعدة من قواعده، أو ركن من

أركانه المبنية على هذا الأس لا يعذر الجاهل بها أو المتأول لها؟ وأين إجماع الأمة

على أن التوحيد الخالص شرط لصحة الصلاة والصيام وسائر العبادات، لا يعتد

بشيء منها بدونه مع سائر أصول الإيمان القطعية المعلومة من الدين بالضرورة؟

إننا نعلم بالاختبار الدقيق أن كثيرا ممن يدعون غير الله تعالى يجهلون كثيرا

من هذه الأصول الاعتقادية والعملية، وأن منهم من التاركين لأركان الإسلام كلها أو

بعضها والمرتكبين لكبائر الإثم والفواحش المصرين عليها بدون مبالاة بأمر ولا نهي،

ولا انتفاع بذكرى ولا زجر، ومنهم من اعتاد بعض الأعمال الدينية المشروعة

والمبتدعة اعتيادا، ولكنه لا يعرف الخشوع والخوف والرجاء إلا عند تلك القبور

وذكر أصحابها، أو نحوها مما يعظمون تعظيم عبادة وتدين، وإن لم يسموه كله أو

بعضه عبادة، ومن هؤلاء وأولئك الذين يدعون هؤلاء الموتى خاشعين معتقدين أنهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٤٠