المجلد رقم (24)
جمادى الأولى - 1341ه
يناير - 1923م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
فاتحة المجلد الرابع والعشرين
بسم الله الرحمن الرحيم
{وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له
ولي من الذل وكبره تكبيرا} (الإسراء: 111) .
نحمده بما حمد به نفسه، وأنى للعبد العاجز أن يحصي الثناء على ربه،
ونسأله الفضيلة والوسيلة، والدرجة العالية الرفيعة، والمقام المحمود الذي وعده
لصفوة خلقه وخاتم رسله، الذي بعثه من عرب مضر للأبيض والأحمر،
والأسود والأصفر، ليصلح ما فسد من أمر البشر، ويزيل من بينهم فوارق التقاليد
والغبر، ويجعلهم أمة واحدة بعقيدة صحيحة مطهرة للعقل، وآداب عالية مزكية
للنفس، وعبادة خالصة مصفية للروح، ولغة فصيحة مرقية للشعور والعلم، وإلا
فبشريعة عادلة تساوي في أحكامها بين الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء،
والسوقة والملوك، لا تحابي رئيسا على مرءوس، ولا صاحب منصب في دنيا أو
دين، أقامه حجة على جميع البشر، وجعل أمته شهداء على الأمم، وجعله هو
الشهيد على أمته، إذا انحرفت عن هدايته، أو قصرت في إقامة شريعته {يا
أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
* وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع
أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} (الأحزاب: 45-48)
وقد بلغ - بأبي هو وأمي - الدعوة وأقام الحجة وبين المحجة، فكان
المثل الأعلى في الحق والعدل، والرحمة والفضل، عانده الجبارون المتكبرون،
واستجاب له الفقراء المستضعفون، فنصر الله الفقر على الغنى والثروة، والضعف
على الشدة والقوة، بل نصر غنى النفس على غنى المال، وقوة الحق على قوة
الباطل، وجعل الفوز لجهاد القرآن، على جهاد السيف والسنان، فانتظم عصره
في سلك دينه ما كان مبعثرا من قبائل العرب، ودان لخلفائه من بعده أعظم شعوب
العجم، وعم النور جميع الأمم، فأحيا الإسلام العلوم والفنون، وابتكر حضارة
طريفة لم تر مثلها عيون القرون، جمعت بين العلم والدين، وألفت بين لذة الجسد
والنفس، ولذة الروح والعقل، وأقامت ميزان العدل بين المختلفين في الدين
والجنس والصفات، وألغت ما كان من التفاضل والامتياز بين الناس في الأنساب
والطبقات، وحصرت الفضل في الإيمان والتقوى وعمل الصالحات {يا أيها الناس
قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا * فأما الذين آمنوا بالله
واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} (النساء: 174-175) {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا
صلوا عليه وسلموا تسليما} (الأحزاب: 56)
أما بعد، فإن المنار يذكر قراءه في فاتحة مجلده الرابع والعشرين، بمثل سنته
في فواتح ما غبر من السنين من العبرة بشئون الاجتماع والعمران، وتنازع
عوامل الصلاح والفساد في الإنسان، وما يناسب ذلك من هداية القرآن حجة الله
البالغة بما فيه من آيات العلم والتبيان المناسبة لكل زمان ومكان، وصفة من هو كل
يوم في شأن، ذلك بأن المنار إنما أنشئ لإيقاظ الشرق وتجديد الإسلام بإعادة
تكوين الأمة وحياة الملة والدولة، لا لفروع الفقه وأصول الكلام، ولا لجدليات
المذاهب الدينية، ولا تأييد العصبيات الجنسية، ولا لنشر ما يجدد في قضايا العلوم
ونظريات الفلسفة، أو مخترعات الفنون وعجائب الصناعة، ولا لقصص التاريخ
ونوادر الفكاهات، ولا لجوائب الحوادث وأخاديع السياسات، بل كل ما يذكر فيه
مما يدخل من هذه الأبواب، فإنما يولي وجهه شطر ذلك المحراب؛ لأن الأمة إذا
حيت أحيت من العلوم ما كان ميتا، وأنشرت من الفنون ما كان رميما، وإذا ماتت
أماتت معها ما كان حيا، ودرست ما كان مدروسا مرويا، وإن الغذاء اللطيف قد